مغرب بسرعتين…عندما يصطدم نجاح الفلاحة التصديرية بفاتورة المواطن

العرائش نيوز :

ذ : مروان بل

يُظهر المغرب الفلاحي اليوم نتائج كان من المفترض، نظريًا، أن تكون مطمئنة. ففي عام 2024، سجلت المبادلات التجارية للمملكة ارتفاعًا بنسبة 6,3%، مع زيادة في الصادرات بلغت 6,1% والواردات 6,4%. كما يظل التبادل التجاري متمركزًا بشكل كبير مع أوروبا التي تستحوذ على 62% من هذه المبادلات. وفي الوقت نفسه، تواصل الدولة جعل التصدير الفلاحي والغذائي محورًا استراتيجيًا، ضمن توجه واضح لتعزيز موقع المغرب في الأسواق الخارجية.

هنا يتولد التناقض. فالبلد يُنتج، ويُثمن، ويُصدر، ويكسب حصصًا في الأسواق، لكن المواطن المغربي يواصل شراء حاجياته بأسعار مرتفعة. وقد أظهرت معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن التضخم السنوي المتوسط واصل الارتفاع سنة 2025، حيث بلغ 0,8% إجمالًا، مع نفس النسبة تقريبًا بالنسبة للمواد الغذائية. وفي وقت سابق من السنة، بلغ التضخم خلال الفصل الأول من 2025 نسبة 2,2%، مدفوعًا أساسًا بارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 3,7%. بمعنى آخر، حتى عندما يبدو المؤشر العام في حالة استقرار نسبي، فإن سلة الغذاء تبقى تحت ضغط مستمر.

المشكلة ليست ظرفية فقط، بل هي بنيوية. فقد توجه المغرب نحو فلاحة ذات قيمة مضافة عالية، إلى درجة أن المصادر الرسمية تشير إلى أن الصادرات الفلاحية قد “تضاعفت أكثر من مرة”. كما تهدف استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030” إلى مضاعفة الناتج الداخلي الفلاحي والصادرات، وهو ما يؤكد أن المنطق السائد هو الارتقاء بالإنتاج والانفتاح على الأسواق العالمية. هذا التوجه مبرر اقتصاديًا، لكنه يصبح مصدر توتر اجتماعي عندما لا يواكبه نظام قادر على حماية السوق الداخلية.

جذر المشكلة يوجد أيضًا في سلسلة التوزيع. فقد أشار مجلس المنافسة، في رأيه حول أسواق الخضر والفواكه، إلى وجود اختلالات واضحة، حيث يستحوذ الوسطاء على جزء مهم من القيمة. وتُقدر هوامشهم بحوالي 34% من السعر النهائي، مقابل نحو 30% فقط للمنتجين. كما أكد التقرير أن هذه السلاسل “متحكم فيها ولكن غير منظمة”، وأن أسواق الجملة تعاني من ضعف الشفافية والحكامة.

ويُضاف إلى ذلك ضعف البنية اللوجستية وخسارة جزء مهم من الإنتاج قبل وصوله إلى المستهلك. إذ تتراوح الخسائر بعد الحصاد بين 20% و40%، وقد تكون مرتفعة بشكل خاص في بعض المنتجات. وفي بلد يعاني أصلًا من ضغط على العرض، فإن كل خسارة تتحول مباشرة إلى ارتفاع في الأسعار.

قطاع تربية الماشية يعكس بدوره هذا التناقض. فقد أعلنت الجهات الرسمية سنة 2025 أن القطيع الوطني يبلغ 32,8 مليون رأس، مع إطلاق برامج دعم لإعادة تكوينه. غير أن هذه الإجراءات تكشف أيضًا حجم التحديات المرتبطة بتوالي سنوات الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج. وعندما يتراجع العرض أو يصبح هشًا، فإن أسعار اللحوم لا تنخفض بسهولة.

المسؤولية في هذا الوضع مشتركة، لكنها غير متكافئة. فالمنتجون يتجهون نحو الأسواق الأكثر ربحية. والمصدرون يفضلون الوجهات الأكثر استقرارًا. والوسطاء يستفيدون من بنية توزيع غير منظمة. أما الجهات المكلفة بالتنظيم، فلم تنجح بعد في تحديث الأسواق وضبطها بشكل كافٍ. وفي المقابل، دعمت الدولة التوجه التصديري دون أن تضع آليات كافية لحماية السوق الداخلية. النتيجة واضحة: مغرب يحقق أرقامًا قوية، لكنه يثقل كاهل مواطنيه.

لا يتعلق الأمر فقط بارتفاع الأسعار، بل بنموذج اقتصادي غير متوازن. نجاح الخارج لا ينعكس بالضرورة على الداخل. وما دام هذا الخلل قائمًا، سيستمر المواطن في دفع ثمن نظام ينجح خارج حدوده، لكنه يواجه صعوبة في تحقيق التوازن داخليًا.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.