“عقوبة الانسحاب” كيف حوّلت “أزمة الرباط” قوانين كأس العالم؟

العرائش نيوز:

في خطوة غير مسبوقة، وافق مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (IFAB) بالإجماع على قاعدتين تأديبيتين جديدتين ستنطبقان بدءاً من كأس العالم 2026، مباشرة بعد “سيناريو الرباط” الذي شهد انسحاب لاعبي السنغال احتجاجاً على قرار تحكيمي.

فوضى “النهائي” التي غيرت القوانين

يعود تاريخ الحدث الذي هزّ أركان الكرة الأفريقية إلى مساء 18 يناير 2026، عندما استضاف ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط نهائي كأس أمم أفريقيا بين المغرب والسنغال. كانت المباراة مشتعلة، وفي الدقيقة السابعة من الوقت البديل الضائع، احتسب الحكم جان جاك نغالا ركلة جزاء للمغرب بعد العودة لتقنية الفيديو .

هنا لم يتحمل الطاقم الفني للسنغال الأمر. بناء على تعليمات المدرب بابي تياو، انسحب لاعبو “أسود التيرانغا” من أرضية الميدان بشكل جماعي في مشهد صادم، ولم يبق سوى القائد ساديو ماني . استمر التوقف لنحو 18 دقيقة وسط فوضى عارمة، ليعود اللاعبون ليكملوا المباراة التي انتهت بفوز السنغال بهدف ذهبي في الوقت الإضافي .

ورغم فرحة السنغال حينها، تحولت الأفراح إلى ترح بعد شهرين. في 17 مارس، أصدرت لجنة الاستئناف بالاتحاد الأفريقي لكرة القدم (كاف) قراراً صادماً: تجريد السنغال من اللقب ومنحه للمغرب بنتيجة 3-0، استناداً إلى المادتين 82 و84 من لوائح البطولة التي تنص على اعتبار الفريق المنسحب خاسراً وإقصائه .

كيف تُرجم هذا الحدث إلى قاعدة عالمية؟

شكلت “أزمة الرباط” نقطة تحول حاسمة على مستوى صناعة القرار في كرة القدم. حضور رئيس الفيفا جياني إنفانتينو شخصياً لهذه الواقعة جعله يتبنى ملف تعديل القانون بحزم. بعد التشاور مع جميع الأطراف، عُقد اجتماع خاص في فانكوفر نهاية أبريل 2026، صادق فيه مجلس الاتحاد الدولي (IFAB) على التعديلات الجديدة .

لم تكتف الهيئة بمعاقبة الانسحاب فقط، بل أضافت تعديلاً ثانياً يتعلق بـ”إخفاء الفم”. وهذا التعديل جاء مستلهماً من واقعة أخرى، تتعلق بلاعب بنفيكا جيانلوكا بريستياني الذي اتهمه فينيسيوس جونيور بإهانته بعبارات عنصرية خلال مباراة في دوري أبطال أوروبا، حيث كان يخفي فمه بقميصه لعدم قراءة الشفاه .

“البطاقة الحمراء” و”الخصم الفني” يدخلان التاريخ

النص القانوني الجديد، الذي سيُطبق في كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة، يمنح صلاحيات غير مسبوقة للحكام. فـ “بموجب السلطة التقديرية لمنظم المسابقة، يجوز للحكم معاقبة أي لاعب يغادر الملعب احتجاجاً على قرار تحكيمي ببطاقة حمراء مباشرة” .

لا يقتصر الأمر على اللاعبين فقط، بل يشمل الجهاز الفني أيضاً: “ينطبق هذا القانون الجديد أيضاً على أي مسؤول فريقي يحرض اللاعبين على مغادرة الملعب” . أما النص الأهم فهو ما يتعلق بالقرار الإداري: “الفريق الذي يتسبب في إيقاف المباراة سيخسر المباراة، من حيث المبدأ، بنتيجة 3-0” .

إشكالية التطبيق… والاستثناءات

ورغم الإجماع على ضرورة ردع مثل هذه السلوكيات، أبدت بعض الدوريات الأوروبية الكبرى مخاوفها. يتمثل السيناريو الأكثر تعقيداً في حالة تعرض لاعب لإهانة عنصرية. إذا غادر اللاعب الملعب احتجاجاً على هذه الإهانة، هل يطبق عليه القانون الجديد ويتم طرده؟ .

هذه الثغرة تجعل تطبيق القاعدة مرتبطاً بـ”تقدير المنظم”، مما يعني أن لجنة الحكام ستضطر للتمييز بين الاحتجاج على القرار التحكيمي والاحتجاج على الإساءة اللفظية. هذا السيناريو لا يزال مثيراً للجدل، خاصة مع اشتداد الحملات العالمية لمكافحة العنصرية داخل الملاعب.

بهذا القرار، لم تحدد الفيفا مصير كأس العالم 2026 فحسب، بل وضعت حداً لسيناريو “الرباط” الذي كاد أن يهدد مصداقية أكبر مسابقة كروية في العالم. ورغم أن القاعدة الجديدة قد لا تُطبق في جميع المسابقات المحلية بداية، إلا أن حضورها في المحفل الأهم (المونديال) سيجعل الأندية والمنتخبات تعيد حساباتها، مدركة أن الانسحاب الاحتجاجي لم يعد مجرد مشهد عابر، بل انتحار إداري بحت.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.