العرائش نيوز:
شهدت جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب، يوم الاثنين، تقديم سؤال آني مباشر إلى السيدة زكية الدريوش، كاتبة الدولة لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، المكلفة بالصيد البحري، تناول واقع قطاع الصيد التقليدي والإكراهات التي تعترضه، وفي مقدمتها هشاشة الوضعية الاجتماعية للبحارة وضعف الحماية الاجتماعية، إضافة إلى صعوبة ضبط التصريحات المرتبطة بالدخل والمنتوج.
وتأتي هذه المراسلة البرلمانية في سياق تصاعد النقاش حول ضرورة إعادة هيكلة قطاع الصيد التقليدي، الذي يُعد أحد القطاعات الحيوية في المغرب، حيث يشغل أزيد من 52 ألف بحار، ويساهم في خلق فرص الشغل وتحريك الاقتصاد المحلي بعدد من الموانئ والقرى الساحلية، فيما يضم القطاع أكثر من 16 ألف قارب، ويُسجل مفرغات تجاوزت قيمتها 3.4 مليارات درهم سنة 2025.
كشف مضمون السؤال الشفوي أن القطاع ما زال يعرف عددا من الإكراهات، أبرزها اعتماد نظام المحاصة في احتساب مستحقات البحارة، حيث ترتبط المداخيل والتصريحات الاجتماعية، بما فيها اقتطاعات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وحساب حقوق التقاعد، بما يتم التصريح به من طرف المجهز بخصوص المنتوج. وهو نظام، بحسب المهنيين، يطرح صعوبات على مستوى الشفافية ويُضعف ضمان حقوق البحار، كما يؤثر على استيفاء الدولة لمستحقاتها بشكل مضبوط ومنصف.
ويُعد هذا النظام النمط الغالب في قطاع الصيد البحري بالمغرب، حيث يمنح البحار صفة الشريك وليس الأجير، مما يجعل الكثير من الالتزامات والحقوق غير مثبتة، ويؤدي أحيانا إلى نزاعات متكررة بسبب غياب سند قانوني واضح.
وانطلاقاً من الحاجة إلى تقوية هيكلة قطاع الصيد التقليدي، وترسيخ حكامة اجتماعية ومالية أكثر وضوحا، دعا مقدم السؤال إلى التفكير في بدائل عملية، من بينها اعتماد نظام تعاقدي قائم على أجر ثابت مصرح به، يضمن للبحار دخلاً مرجعياً واضحاً، مع احتساب نسبة جزافية شهرية للواجبات الاجتماعية والضريبية، بما يحقق التوازن بين حماية المهنيين وضمان حقوق الدولة.
وفي ردها على الأسئلة المطروحة، أكدت السيدة زكية الدريوش أن الحكومة، وفي إطار الورش الملكي لتدعيم ركائز الدولة الاجتماعية، بذلت مجهودات حثيثة لتنزيل هذا الورش، حيث كانت فئة الصيادين، ولا سيما ممارسي الصيد التقليدي، من أبرز الفئات المستهدفة بالحماية الاجتماعية.
وكشفت الدريوش أن التغطية الصحية أصبحت معممة بنسبة 100% لجميع الصيادين التقليديين القانونيين، إذ لا يُسمح حاليا لأي بحار بالوجود ضمن سجل طاقم السفينة ما لم يكن منخرطا في نظام الضمان الاجتماعي. كما تم تعميم التأمين ضد حوادث الشغل، واستفادة البحارة الموسميين من كافة الخدمات، بما في ذلك نظام المعاشات، مع خفض عدد أيام العمل المطلوبة للاستحقاق من 3240 يوماً إلى 1320 يوماً فقط.
وفي تطور لافت، أشارت المسؤولة الحكومية إلى أن خارطة العمل للفترة 2025-2027 تضع تعزيز قدرات المهنيين في الصدارة، من خلال إرساء نظام تعاقدي بين البحارة وأرباب السفن لضمان حقوق الطرفين.
ويأتي هذا التوجه متزامناً مع مشروع قانون رقم 95.21 المتعلق بعقود الشغل البحرية، الذي يهدف إلى الانتقال من حكم الأعراف الشفوية غير المثبتة إلى نظام تعاقدي مكتوب يضبط العلاقة بين البحارة وأرباب المراكب، عبر إلزامية تحرير عقد عمل بحري يحدد الحقوق والواجبات بدقة، بما في ذلك الأجور ونسب الأرباح والحماية الاجتماعية.
يظل قطاع الصيد التقليدي رهين تحديات كبيرة، بين الحاجة إلى الحفاظ على خصوصياته المهنية، وضرورة إرساء دعائم الحماية الاجتماعية والحكامة المالية، في وقت تبدو فيه الحكومة مغربية منخرطة في ورش إصلاحي طموح، يراهن على نظام تعاقدي أكثر شفافية، قادر على ضمان حقوق البحارة واستيفاء الدولة لمستحقاتها، مع الحفاظ على دينامية هذا القطاع الحيوي.
