حين يصبح البحر أكثر رحمة من اليابسة…شباب المغرب بين ضيق العيش واتساع اليأس

العرائش نيوز: ذ.مروان بل

لم تعد مشاهد مئات الشباب المغاربة وهم يلقون بأنفسهم في مياه البحر الفاصلة بين الفنيدق ومدينة سبتة المحتلة مجرد أخبار عابرة تتكرر كل صيف، بل أصبحت جرس إنذار يدق بقوة في وجه المجتمع والدولة معًا. إنها ليست مجرد محاولات للهجرة غير النظامية، بل صرخات يأس يطلقها شباب فقدوا الإيمان بأن المستقبل يمكن أن يُبنى داخل وطنهم.
في كل مرة تتناقل فيها وسائل الإعلام صور شباب يسبحون وسط أمواج البحر، ينشغل الرأي العام بعدد الذين وصلوا، وعدد الذين أُوقفوا، وعدد الذين ابتلعتهم المياه. لكن السؤال الحقيقي يظل معلقًا: ما الذي يدفع شابًا في مقتبل العمر إلى اختيار البحر، وهو يعلم أن احتمال الموت قد يكون أقرب إليه من احتمال النجاة؟
تشير المعطيات الرسمية الإسبانية إلى أن 2826 مهاجرًا تمكنوا من الوصول إلى مدينة سبتة بطريقة غير نظامية منذ بداية سنة 2026 إلى منتصف شهر يوليوز، وهو رقم يعكس استمرار الظاهرة رغم تشديد المراقبة الأمنية على الحدود. وفي المقابل، أعلنت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان – فرع تطوان – عن انتشال أكثر من 26 جثة من السواحل الشمالية منذ بداية السنة، مع استمرار تسجيل حالات وفاة واختفاء، في مأساة أصبحت تتكرر بشكل يكاد يفقد المجتمع حساسيته تجاهها.
لكن الأرقام، مهما بلغت قسوتها، لا تستطيع أن تنقل حجم الألم الذي تعيشه الأسر المغربية. فخلف كل شاب مفقود أم تنتظر اتصالًا قد لا يأتي، وأب يعيش بين الرجاء والخوف، وإخوة يجهلون إن كان قريبهم قد وصل إلى الضفة الأخرى أم أصبح رقمًا جديدًا في سجل المفقودين.
وما يجعل هذه المأساة أكثر إيلامًا هو أن الأمر لم يعد يقتصر على الشباب البالغين، بل امتد إلى القاصرين. فقد أظهرت تقارير إعلامية وصور متداولة مشاركة مراهقين في الخامسة عشرة والسادسة عشرة من العمر في محاولات العبور الأخيرة. بعض هؤلاء الأطفال غادروا بعلم أسرهم، لا لأن هذه الأسر ترغب في تعريض أبنائها للخطر، وإنما لأنها أصبحت تعيش حالة من العجز وفقدان الأمل، فلم تعد ترى أمام أبنائها طريقًا واضحًا نحو الدراسة أو العمل أو الاستقرار.
إنها لحظة مؤلمة تختصر عمق الأزمة. فعندما تصبح أسرة مستعدة لأن ترى ابنها يواجه أمواج البحر، لأن البقاء في الواقع الذي يعيشه يبدو بالنسبة إليها أكثر قسوة من المجهول، فإن الأمر لم يعد يتعلق بالهجرة فقط، بل بأزمة ثقة في المستقبل ، فالهجرة ليست السبب، بل النتيجة.
الذين يسبحون نحو سبتة لا يهربون من وطنهم، بل يهربون من البطالة، ومن الفقر، ومن الإحساس بأن سنوات الدراسة لم تعد تضمن فرصة عمل، وأن الجهد لم يعد يقود إلى حياة كريمة.
وتؤكد الأرقام الرسمية حجم هذا التحدي. فقد بلغ معدل البطالة في المغرب 10.8% خلال الفصل الأول من سنة 2026، أي ما يقارب 1.25 مليون شخص بدون عمل، بينما بلغت البطالة في صفوف الشباب بين 15 و24 سنة حوالي 29.2%، أي إن شابًا واحدًا من كل ثلاثة لا يجد فرصة عمل. أما بالنسبة إلى حاملي الشهادات، فتظل معدلات البطالة أعلى من المعدل الوطني، وهو ما يزيد من شعور آلاف الخريجين بالإحباط بعد سنوات طويلة من الدراسة.

غير أن المشكلة لا تقف عند من لا يجد عملاً، بل تمتد أيضًا إلى آلاف الشباب الذين يشتغلون في وظائف هشة أو مؤقتة، أو بأجور لا تكفي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

وفي الوقت نفسه، عاشت الأسر المغربية خلال السنوات الأخيرة تحت ضغط غير مسبوق بسبب غلاء المعيشة. فقد ارتفعت أسعار عدد كبير من المواد الأساسية والخدمات، بينما لم ترتفع دخول معظم الأسر بنفس الوتيرة، فأصبحت القدرة الشرائية تتآكل تدريجيًا، وصار توفير الاحتياجات اليومية يشكل تحديًا حقيقيًا لعدد كبير من المواطنين. ولم يعد الحديث داخل البيوت يدور حول الادخار أو تحسين مستوى العيش، بل حول كيفية تدبير مصاريف نهاية الشهر.

وتعكس استطلاعات المندوبية السامية للتخطيط هذا الواقع، حيث ما تزال غالبية الأسر تعبر عن تشاؤمها بشأن فرص الشغل ومستوى المعيشة، وهو ما يعكس أزمة ثقة حقيقية في المستقبل.
ولا يمكن إنكار أن المغرب واجه خلال السنوات الأخيرة ظروفًا صعبة، من تداعيات جائحة كوفيد-19 إلى سنوات الجفاف المتتالية والاضطرابات الاقتصادية العالمية. كما أطلقت الدولة إصلاحات اجتماعية وبرامج للدعم والاستثمار. لكن استمرار تكرار مشاهد الهجرة الجماعية، عامًا بعد عام، يدفع إلى طرح سؤال مشروع حول مدى نجاعة السياسات العمومية في تحقيق الهدف الذي ينتظره المواطن قبل أي شيء آخر: خلق فرص الشغل وتحسين مستوى العيش.
فإذا كان النمو الاقتصادي لا ينعكس على حياة الشباب، وإذا كانت آلاف الأسر ما تزال ترى أبناءها يغادرون نحو المجهول، فإن من حق المواطنين أن يتساءلوا: أين تكمن نقاط الخلل؟ وهل وصلت ثمار الإصلاحات فعلًا إلى الفئات التي تحتاجها؟
إن استمرار هذه الظاهرة يؤكد أن المقاربة الأمنية، مهما كانت ضرورية لمحاربة شبكات الاتجار بالبشر وحماية الحدود، لن تكون كافية بمفردها. فالشباب لا يسبحون لأن البحر مفتوح، بل لأن الأبواب الأخرى تبدو مغلقة في نظرهم.
إن مواجهة هذه المأساة تبدأ بإعادة الأمل. تبدأ بجعل التشغيل أولوية وطنية حقيقية، وربط التعليم بحاجيات سوق العمل، وتشجيع الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات الصغرى، وتقليص الفوارق بين الجهات، وتعزيز القدرة الشرائية للأسر، وربط المسؤولية بالمحاسبة في تقييم نتائج السياسات العمومية.
فالدول لا تُقاس فقط بما تشيده من طرق وموانئ ومناطق صناعية، بل أيضًا بقدرتها على الحفاظ على أغلى ثروة تمتلكها: شبابها.
وعندما يصبح البحر، في نظر شاب مغربي، أكثر رحمة من اليابسة، فذلك ليس مجرد فشل فردي، ولا حادثًا عابرًا، بل رسالة موجعة تستحق أن تُقرأ بصدق، وأن تُواجه بالشجاعة نفسها التي يواجه بها أولئك الشباب أمواج البحر.
لأن الوطن الذي يضطر أبناؤه إلى البحث عن الحياة في عرض البحر، هو وطن يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى مراجعة عميقة لسياساته، وإلى جعل الإنسان، وكرامته، وأمله في المستقبل، في صلب كل مشروع تنموي.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.