استئنافية العيون… جناية بلا دفاع وتعليل يناقض الواقع

العرائش نيوز:

الأستاذ إبراهيم الحداد:محام بهيئة طنجة

لئن كان الخطأ في تطبيق القانون أمرا واردا، وقابلا للتصحيح عبر درجات التقاضي، فإن الخطر هو أن يتحول التعليل إلى وسيلة لتبرير مخالفة القانون، والأخطر أن يُعتمد في ذلك على تحريف الوقائع تارة، وليّ أعناق النصوص تارة أخرى، حتى يبدو الخرق وكأنه تطبيق سليم للقانون.
وهذا، في تقديري، هو الإشكال الحقيقي الذي يثيره القرار عدد 146/2026 الصادر بتاريخ 09/07/2026 عن غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالعيون، والذي بت في قضية جنائية دون حضور محام لمؤازرة المتهمة، رغم أن المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية جاءت بصيغة آمرة لا تحتمل التأويل، عندما جعلت مؤازرة المحامي إلزامية في قضايا الجنايات.
إن أول ما يثير الاستغراب في تعليل القرار هو بناؤه على تصوير للوقائع لا ينسجم مع حقيقة المسطرة، فالقرار تحدث عن إحضار المتهمة لعدة جلسات، وعن استنفاد المحكمة لجميع الوسائل القانونية لتوفير الدفاع، بما يوحي بأن المحكمة واجهت عراقيل متكررة امتدت زمنا طويلا، وأنها لم تجد في النهاية سوى البت في القضية.
غير أن التسلسل الحقيقي للملف يكشف صورة مختلفة تماما، فالملف ظل بين يدي قاضي التحقيق منذ 15 أبريل 2026، وهو الذي خوله المشرع مدة شهرين قابلة للتمديد مرتين إذا اقتضت ضرورة البحث ذلك، وبعد انتهاء التحقيق، أُحيل الملف على غرفة الجنايات بتاريخ 19 يونيو 2026، وأُدرج لأول مرة بجلسة 25 يونيو، ثم أُخِّر إلى جلسة 9 يوليوز، حيث اعتبرت المحكمة القضية جاهزة وأصدرت حكمها.
فأين هي “الجلسات العديدة” التي أوحت بها حيثيات القرار؟ وأين هو التأخير الذي أصبح يهدد الحق في المحاكمة داخل أجل معقول؟
ثم إن المحكمة ذكرت أنها عينت محاميا في إطار المساعدة القضائية، وأن هذا المحامي تخلف عن الحضور، غير أن القرار لم يبين إطلاقا ما إذا كان هذا المحامي قد تم إشعاره أصلا بقرار التعيين، لأن التخلف يفترض العلم. أما إذا لم يثبت الإشعار، فلا يمكن قانونا الحديث عن تخلف، ولا ترتيب أي أثر على واقعة لم يثبت تحققها.
ومن جهة أخرى اعتبرت المحكمة أن المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية لم ترتب جزاء صريحا على غياب المحامي، وهذا التعليل يثير أكثر من علامة استفهام، لأن المشرع لم يجعل مؤازرة المحامي اختيارا للمتهم في الجنايات، وإنما فرضها على المحكمة نفسها، ومنحها صلاحية إثارة الأمر تلقائيا، وتعيين محام في إطار المساعدة القضائية إذا لم يكن للمتهم دفاع. وعندما يفرض القانون على المحكمة القيام بإجراء من تلقاء نفسها، فإن ذلك يعني أن الأمر يتعلق بضمانة من النظام العام، لا يملك أحد، لا المتهم ولا المحكمة، تعطيلها أو الالتفاف عليها، والمادة 317 من قانون المسطرة الجنائية التي أشارت إليها المحكمة أكدت ذلك من خلال نصها على أنه في حالة تخلف المحامي المختار أو المعين، فإن رئيس الجلسة يعين محاميا آخر، أي أن المشرع لم يقدم حلا يتمثل في الاستغناء عن الدفاع، وإنما قدم حلا يتمثل في استبدال الدفاع بدفاع آخر. وعليه فإن الاستناد إلى المادة 317 لتبرير غياب المحامي هو في الحقيقة استدلال بالنص على خلاف ما وضع له.
لكن أكثر ما يثير الدهشة هو انتقال القرار من محاكمة المتهمة إلى محاكمة المحامين، من خلال اقحام المادة 39 من القانون المنظم لمهنة المحاماة، التي تمنع المحامين من الاتفاق على التوقف الكلي عن تقديم المساعدات الواجبة تجاه القضاء، في شكل يوحي وكأننا أمام ملف يتعلق بمتابعة تأديبية لمحام، لا أمام ملف جنائي يتعلق بجناية المشاركة في تنظيم وتسهيل خروج أشخاص من التراب الوطني بصفة سرية واعتيادية في إطار عصابة منظمة.
إن احترام سيادة القانون يبدأ من احترام القاضي للنص الآمر قبل البحث عن المبررات لتجاوزه، وإذا كان المشرع قد اعتبر حضور المحامي في الجنايات ضمانة إلزامية، فإن المحكمة لا تملك أن تحول هذه الإلزامية إلى مجرد خيار، ولا أن تنشئ استثناء لم يضعه القانون.
ختاما، قد يبدو للبعض أن الأمر لا يعدو أن يكون حكما انتهى الى معاقبة المتهمة بسنتين حبسا نافذا في حدود ثلاثة أشهر، لكن خطورة الأحكام لا تقاس بمنطوقها، بل بالمبادئ التي تؤسس لها، وإذا سلم اليوم بمنطق يجيز الالتفاف على الزامية مؤازرة المحامي في جناية، فإننا قد نجد أنفسنا مستقبلا أمام حكم بالإعدام دون حضور الدفاع.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.