العرائش نيوز:
بقلم الأستاذ إبراهيم الحداد
محام بهيئة طنجة
سلام على من جعل القانون مرجعه، وبعد…
توصلت بمراسلتكم الموسومة بـ “الشلل الإجرائي”، والتي عبرتم فيها عن انشغالكم بما آل إليه سير بعض القضايا نتيجة ما سميتموه “استنكاف السادة المحامون عن مؤازرة المتهمين”، وما ترتب عنه من تأخير في البت، واستمرار الاعتقال الاحتياطي، وما قد ينعكس على حق المتقاضين في صدور أحكام داخل أجل معقول.
وقد قرأت مراسلتكم باهتمام، لأنني أنا المعنية بكل ما يلامس حقوق الإنسان وحرياته.
غير أنني، وبعد التأمل في مضمونها، وجدت نفسي مضطرة إلى مراسلتكم، لا دفاعا عن المحامين، ولا معارضة للحرص على حسن سير مرفق القضاء، وإنما دفاعا عن نفسي…
أنا العدالة.
لقد اخترتم عنوانا لمراسلتكم هو “الشلل الإجرائي”، وأسمحوا لي أن أختلف معكم في تشخيصكم لهذا الشلل. فالشلل الإجرائي الحقيقي ليست من أعراضه تأجيل المحكمة لملفات احتراما لنص قانوني آمر، ولا عندما يرفض القاضي أن يحاكم متهما دون الضمانات التي فرضها القانون.
الشلل الإجرائي الحقيقي يبدأ يوم يصبح القانون عاجزا عن حماية من وضع لحمايتهم، ويبدأ يوم تتحول النصوص الآمرة إلى مجرد خيارات يمكن تجاوزها كلما اشتدت الضغوط، ويبدأ يوم يصبح حق الدفاع قابلا للتعليق باسم السرعة.
السيد الوكيل العام؛
لقد عبرتم عن قلقكم من استمرار الاعتقال الاحتياطي، وأنا أشاطركم هذا القلق، فالحرية أثمن من أن تبقى رهينة الزمن. لكن اسمحوا لي أن أطرح سؤالا لا يجوز أن يغيب عن هذا النقاش: من يملك سلطة الاعتقال الاحتياطي؟ أليس جهاز النيابة العامة؟ أليس هو الذي خوله القانون تحريك الدعوى العمومية، والتماس أو اتخاذ قرار سلب الحرية عند توافر شروطه؟
لقد جعل المشرع الاعتقال الاحتياطي تدبيرا استثنائيا، لا أصلا عاما، وأوجد له بدائل متعددة، لأن الأصل هو الحرية، والاستثناء هو تقييدها، وإذا أصبح عدد المعتقلين الاحتياطيين اليوم سببا للاستعجال، فإن معالجة هذا الواقع تبدأ أولا بمراجعة سياسة اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي، وبالتوسع في تطبيق البدائل التي أقرها القانون، لا بجعل المتهم يؤدي ثمن أزمة لم يكن هو سببا فيها، ولا بحرمانه من أهم ضمانة قررها له المشرع.
فالعدالة لا تعالج أثرا ناتجا عن المساس بالحرية، بالمساس بحق الدفاع.
ثم إنني، وأنا العدالة، أعرف جيدا معنى الشلل الإجرائي، لكنه ليس ما ورد في مراسلتكم.
الشلل الإجرائي الحقيقي هو أن تدرج ملفات للمناقشة ويصدر فيها الحكم، بينما لم يتوصل المتهم أصلا بالاستدعاء، ثم يوصف بأنه “متخلف عن الحضور رغم الاستدعاء”، الشلل الإجرائي الحقيقي هو أن تؤجل الملفات مرة بعد أخرى لأن إجراءات التبليغ لم تستوف شروطها القانونية، الشلل الإجرائي الحقيقي هو ألا يستدعى الضحايا أو المشتكون وفق القانون، فتضيع حقوقهم في ملفات إهمال الأسرة، والشيكات بدون رصيد، وحوادث السير، وغيرها من القضايا التي يكون فيها المشتكى بهم موضوع مذكرة بحث ويتم اعتقالهم ومتابعتهم.
أما أن يؤجل القاضي ملفا لأنه رفض أن يحاكم متهما دون محام، في حالة جعل فيها القانون حضور الدفاع إلزاميا، فذلك ليس شللا… بل احترام للقانون.
السيد الوكيل العام؛
لقد تأسس القضاء ليحمي الحقوق، لا ليختصر الطريق إليها، ووظيفته ليست إصدار الأحكام، بل إصدار أحكام عادلة. وهنا يكمن جوهر الخلاف، لقد استندت مراسلتكم إلى فكرة الأجل المعقول، وهو مبدأ لا أختلف معكم حول أهميته. لكن الدستور لم يمنح المواطن حقا في السرعة وحدها، لقد نص الفصل 120 على أن: “لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، وفي حكم يصدر داخل أجل معقول”.
ولم يقل: “محاكمة عادلة أو حكم داخل أجل معقول”، فالواو التي اختارها الدستور
تمنع المفاضلة بين الحقين، وتمنع تحويل الأجل المعقول إلى مبرر لتجاوز الضمانات.
وقد سبق للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أن أشار ضمن كتابه المؤرخ في 13مارس 2025 تحت عدد 05/25 الى أن الأجل المعقول لا يمكن تحقيقه على حساب شروط المحاكمة العادلة أو حقوق الدفاع، أو عن طريق خرق الإجراءات المسطرية، وذكَّر بأن قرار المجلس بتحديد الآجال الاسترشادية يستهدف بالأساس التصدي للأسباب غير الموضوعية التي تعرقل السير العادي للقضايا بالمحاكم، مثل تكرار تأخير القضية لعدة مرات بسبب عدم التوصل بالاستدعاء، وكذا تأخير الملف عدة مرات لايداع تقرير الخبرة دون أن تبادر المحكمة الى اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، أو تأخير الملفات الجاهزة بدون مبرر معقول، أو منح مهل متكررة رغم انعدام الأسباب القانونية أو الموضوعية المبررة لذلك، أو حجز الملفات للمداولة دون دراسة قبلية لها، ثم إخراجها من المداولة وإعادة تكرار الأمر، وغيرها من الحالات المماثلة التي تؤدي الى هدر الزمن القضائي بدون مبرر.
السيد الوكيل العام؛
لقد جعل المشرع حضور المحامي إلزاميا في بعض القضايا، ولم يفعل ذلك تكريما للمحامين، بل حماية للمتهم. فحق الدفاع ضمانة دستورية وليس امتيازا مهنيا.
ولهذا فإن المحكمة التي تؤجل القضية احتراما لإلزامية الدفاع لا تعطل العدالة، بل تمنع صدور حكم قد يكون معيبا منذ لحظة ميلاده، وإذا كان للنيابة العامة رأي في كيفية تفسير مقتضيات المحاكمة العادلة، أو في أثر توقف المحامين عن تقديم خدماتهم على سير القضايا، فلماذا لم يعرض هذا الرأي داخل الجلسات، في إطار خصومة قضائية، أمام قضاة الحكم، ليقولوا كلمتهم المستقلة؟
لماذا اختيرت المراسلة الإدارية طريقا لمناقشة مسألة قانونية تتعلق بكيفية تطبيق النصوص؟
إن الفصل 110 من الدستور لم يجعل قاضي الحكم تابعا للنيابة العامة، ولا للرئيس الأول، ولا لأي سلطة أخرى، بل قرر بوضوح أن: “قضاة الأحكام لا يلزمهم إلا التطبيق العادل للقانون”، واستقلال النيابة العامة عن قضاء الحكم ليس مجرد فصل تنظيمي بين جهازين، بل هو ضمانة دستورية تحول دون انتقال التأويلات القانونية من أحدهما إلى الآخر خارج قاعة الجلسات.
السيد الوكيل العام؛
إنني لا أنكر أن مرفق القضاء يواجه صعوبات، ولا أنكر أن طول أمد بعض القضايا يرهق المتقاضين، لكنني أرفض أن يختزل سبب الأزمة في غياب المحامي، لأن العدالة الصادقة تبدأ بالاعتراف بأن بطء القضاء له أسباب كثيرة، من بينها كثرة الاعتقال الاحتياطي، ومشاكل المحاكمات عن بعد، والتبليغ، وغيرها من الأسباب، وليس من الإنصاف أن يتحمل المحامي وحده وزر أزمة تشارك فيها حلقات متعددة.
وفي الختام… أود أن أطمئنكم، أنا لا أموت عندما يؤجل ملف، ولا أصاب بالشلل عندما يحترم القاضي نصا قانونيا.
أنا أصاب بالشلل يوم يطلب من القاضي أن يختار بين القانون والسرعة، وأموت يوم يحاكم إنسان دون الضمانات التي خُلقتُ لأحميها.
لأن القضاء لا يفقد هيبته عندما يؤجل قضية احتراما للقانون…بل يفقدها عندما يصبح القانون أول ضحايا الاستعجال.
وتفضلوا، السيد الوكيل العام، بقبول فائق الاحترام.
الإمضاء: العدالة التي لا تقاس بعدد الأحكام، وإنما بسلامة الطريق التي أوصلت إليها.
