العرائش نيوز:
بقلم: عبد الصمد الشنتوف
ذاع صيت العرائش لردح من الزمن كمدينة تعج بالحانات ويقطنها الإسبان. كانت لا تزال مدينة صغيرة إبان الثمانينيات. كل شيء كان فيها صغيرا تقريبا، عدا حجم رأس حمادي الذي لم تكن تسعفه للركض وراء الكرة في الملعب البلدي.
ولولا لطف الأقدار لما رأيت حمادي لاعبا لكرة القدم ثم حكما لاحقا، ذلك أنه نجا بأعجوبة من موت محقق خلال فجر الاستقلال. كان قد أمسك به بعض الثوار “الوطنيين” بعد اتهامه بالخيانة واشتغاله كعون للباشا الريسوني إبان فترة الاستعمار. صبوا عليه البنزين، وطوقوا عنقه بحبل متين، ثم أخذوا يطوفون به في ساحة إسبانيا استعدادا لحرقه حيا في مشهد غارق في الوحشية. لكن لحسن حظه تبسمت له السماء، إذ وصل الباشا الملالي المقرب من حزب الاستقلال في الوقت المناسب، ليثني البلطجية عن فعلتهم الشنيعة وينجو حمادي بجلده، فيكتب الله له عمرا جديدا.
أذكر أنني كنت أشاهده خلال طفولتي يدير المباريات واضعا صفارته الفضية في فمه، ويجوب الملعب البلدي من أقصاه إلى أقصاه. نفس الملعب الذي عرف نكوصا كبيرا بعد أن تدحرج فريق المدينة إلى مرتبة أدنى بالقسم الثالث.
في تلك الفترة أخذ بريق كرة القدم يخبو بالمدينة، وبدأ يلوح في الأفق زخم فريق جديد لكرة السلة.
وأنا طفل صغير، كانت لدي أحلام كبيرة تشغل رأسي، وتمنحني سببا كافيا لأنهض كل صباح، وأمضي قدما في طريقي. لكن مع تقدمي في العمر بدأت طموحاتي تنكمش، وجذوة آمالي تخفت، حتى أنني صرت أشعر بتلك الأحلام تصطدم بصخرة واقع مغاير، وبالتالي أخذت تتلاشى أمام عيني شيئا فشيئا.
وعلى الرغم من كل هذا لبثت متعلقا بالأمل. ظل في قلبي متسع لحلم كبير يراودني. كان حلمي أن أنضم إلى ناد عملاق لكرة السلة.
ظل الشغف بكرة السلة يلازمني منذ أن كنت طفلا صغيرا، لكن شغفي باللاعب “بن خدوج” كان أشد.
هذا اللاعب الخارق الذي كان يأتينا من طنجة مع فريقه”البنك الشعبي” ليبهرنا بتمريراته السريعة، وقفزاته الخرافية، مع قدرته الفائقة على اختراق الدفاع والانطلاق نحو السلة.
عرفت مدينتنا زخما كبيرا وشغفا واسعا بكرة السلة، بحيث كنا نتخذ من شبابيك النوافذ بالأزقة والدروب كبدائل للسلات في غياب واضح لملاعب القرب.
ثمة أحلام كبيرة كانت تسكن عقولنا في ذلك الوقت.
راودني حلم جميل يداعب خيالي منذ مطلع شبابي، لأتحول من لاعب عادي إلى لاعب محترف يشبه “بن خدوج” أو “سيف الدين” على الأقل.
لم تكن ظروف حياتي في كنف أسرتي لتلبي حاجياتي المادية، لذا كنت أستعيض عن القميص الرياضي بقميص قطني تتوسطه أزرار بيضاء حين ألعب كرة السلة مع رفاقي. صحيح أنني كنت لاعبا رشيقا بارعا في تسديد الرميات عن بعد، لكن لم يكن هذا ليروق غريمي حميد. حتى أنه لم يكن يستسيغ الأمر، فيطلق العنان للسانه السليط متهكما علي: كرة السلة لعبة راقية تمارسها الطبقة المتعلمة في بلدنا، وما سبق لي أن رأيت شخصا يحمل هنداما بشعا مثل قميصك في ملاعب الباسكيط. كان حميد مزهوا بقميصه اللامع، يمشي وسط الملعب متبخترا وكأنه طاووس ينفش ريشه الملون، فيردد بفجاجة في وجهي: “القاميجا” قميص لا يليق بلاعب كرة السلة، لست أدري ماذا تصنع معنا. كان لكلامه وقع مؤلم على نفسي، لا سيما أن حميد كان يحظى بأقمصة فارهة تحمل علامات تجارية عالمية تبعثها له أخته المقيمة في بلجيكا.
تواجهنا على أرض الملعب في دوري رمضان، وخضنا مباراة صعبة طبعها بعض التشنج إلى حد العنف. حاولت أن أقفز عاليا لسحب الكرة غير أن حميد لكزني بقوة بمرفق ذراعه الأيمن فأصابني في وجهي إصابة بالغة. صرخت من شدة الألم حتى كدت أسقط على الأرض. وفي لحظة غضب غير محسوبة، نهضت مسرعا وهاجمته بشراسة حتى انتزعت نظاراته السميكة من وجهه.
وبما أنه كان ضعيف البصر، ظل متسمرا يرمقني بذهول وكأنه أصيب بالدوار. لم يكن يرى سوى الغبش. هددته بكسر نظاراته إن هو تمادى أكثر ولم يحجم عن إيذائي. وصونا لكرامتنا، وحفظا لماء وجهينا، أبرمنا اتفاقا مفاده أن يستعيد نظاراته شرط أن يعدني بعدم وصمي بنعوت ذميمة لاحقا.
وعند انتهاء المباراة تعانقنا بحرارة، وتبادلنا الأقمصة وكأن شيئا لم يحدث. كنا متسامحين إلى حد كبير. وفي خطوة كريمة غير متوقعة، قال لي حميد احتفظ بقميصي الفاخر “نايك” فهو هدية مني لك. شعرت بإحراج شديد، وقد انتابني ما يشبه الخرس. عجزت عن مجاراته ولم أستطع الرد عليه بالمثل، لأن قميصي لم يكن سوى “القاميجا”.
