السردين المغربي في خطر.. تراجع المصيد وارتفاع حرارة البحر وغلاء الوقود يضغطان على الأسعار

العرائش نيوز :

يواجه قطاع السردين المغربي ضغوطاً متزايدة بفعل تراجع كميات المصيد وارتفاع حرارة مياه البحر وتنامي تكاليف الوقود، في وقت يشهد فيه الطلب العالمي على الأسماك المعلبة نمواً متواصلاً، ما يثير مخاوف بشأن مستقبل الإمدادات والأسعار.

وكشف تقرير حديث لمجلة “فورتشن”، نشر نهاية غشت الماضي تحت عنوان “نواجه ضربة مزدوجة”، أن المغرب، باعتباره أكبر مورد للسردين في العالم، بات في قلب تحولات متسارعة تطال قطاع الصيد، بعدما دفعت التغيرات المناخية أسراب السردين إلى الابتعاد عن مناطق الصيد التقليدية، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل.

وبحسب التقرير، تراجعت كميات الأسماك التي يتم إنزالها في المغرب بنحو 46 في المائة بين سنتي 2022 و2024، في مؤشر يزيد من الضغوط على قطاع يشكل أحد المصادر الرئيسية لإمدادات السردين في الأسواق الدولية.

ويأتي هذا التراجع في وقت يواصل فيه الطلب العالمي على الأسماك المعلبة الارتفاع، إذ انتقلت مبيعاتها في الولايات المتحدة من نحو 2.3 مليار دولار سنة 2018 إلى أكثر من 2.7 مليار دولار سنة 2024، فيما بلغ إنفاق الأميركيين على المأكولات البحرية القابلة للتخزين حوالي 3.52 مليارات دولار خلال السنة الماضية.

كما أصبح السردين ثاني أكثر الأسماك المعلبة شعبية في السوق الأميركية بعد التونة، متجاوزاً السلمون، بينما تضاعفت طلبات الأسماك المعلبة عبر منصة “غروب هب” ثلاث مرات خلال سنة 2025.

وعلى المستوى العالمي، بلغت قيمة سوق الأسماك المعلبة نحو 10.24 مليارات دولار سنة 2024، وسط توقعات بارتفاعها إلى حوالي 17.97 مليار دولار بحلول سنة 2034.

ويربط التقرير جانباً من الضغوط التي تواجه السردين المغربي بالتغير المناخي وارتفاع حرارة مياه البحر. ونقل عن رشيد صميعة، الأستاذ وحامل كرسي كندا للأبحاث في اقتصاد المحيطات ومصايد الأسماك متعدد التخصصات بجامعة كولومبيا البريطانية، أن السردين من الأنواع شديدة الحساسية لدرجات الحرارة.

وأوضح الباحث أن ارتفاع حرارة المياه يدفع الأسماك إلى البحث عن مناطق أكثر برودة، ما يعني انتقالها إلى مواقع أبعد عن مناطق الصيد المعتادة، وبالتالي اضطرار الصيادين المغاربة إلى قطع مسافات أطول للوصول إلى المصيد.

وأشار صميعة إلى أن تراجع الإنزالات البحرية في المغرب لا يمكن تفسيره بعامل واحد، معتبراً أن تغير المناخ والصيد الجائر والتلوث وانتشار البلاستيك داخل المحيطات كلها عناصر تتداخل في الضغط على المخزونات السمكية.

وإلى جانب العامل المناخي، برزت تكاليف الطاقة باعتبارها عبئاً إضافياً على مهنيي الصيد، خصوصاً مع الاضطرابات التي عرفتها أسواق النفط على خلفية الحرب مع إيران وتأثيرها على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

وبحسب “فورتشن”، فإن ارتفاع أسعار الوقود يأتي في توقيت حساس بالنسبة إلى الصيادين المغاربة، إذ تزداد حاجتهم إلى الإبحار لمسافات أطول بحثاً عن السردين، ما يرفع بصورة مباشرة كلفة كل رحلة صيد.

ووصف صميعة الوضع بـ”الضربة المزدوجة”، موضحاً أن الأسطول يجد نفسه أمام معادلة صعبة تجمع بين ابتعاد الأسماك بسبب ارتفاع حرارة المياه وارتفاع كلفة الوقود الضروري للوصول إليها.

ولا تقتصر التكاليف الإضافية على الوقود فقط، إذ تشمل أيضاً التأمين وسلامة البحارة والمخاطر المرتبطة بالإبحار لمسافات أطول، مقابل غياب أي ضمان بشأن حجم المصيد الذي يمكن العودة به.

وقد تنعكس هذه التطورات، وفق التقرير، على المستهلكين أنفسهم، من خلال ارتفاع أسعار الأسماك مقابل تراجع الكميات المعروضة، وهو ما لخصه الباحث بالقول إن المستهلكين قد يجدون أنفسهم أمام واقع “الدفع أكثر مقابل أكل أقل”.

وشملت التحولات أيضاً تجارة السردين المغربي المجمد، بعدما تراجعت حصته من صادرات المغرب من الأسماك الساحلية الصغيرة من نحو 70 في المائة سنة 2020 إلى حوالي 23 في المائة سنة 2025.

ويربط التقرير هذا التراجع، إلى جانب عوامل أخرى، بارتفاع تكاليف الطاقة، خاصة أن عمليات تجميد وحفظ الأسماك تحتاج إلى استهلاك مهم للكهرباء والطاقة، ما يزيد تكلفة الإنتاج والتصدير.

وكان المغرب قد لجأ، في سياق ارتفاع الأسعار وتراجع المعروض المحلي، إلى منع تصدير السردين المجمد، بهدف تعزيز تموين السوق الوطنية والمساهمة في الحد من ارتفاع الأسعار.

غير أن صميعة يرى أن مثل هذه القرارات قد تحقق نتائج ظرفية، لكنها لا تعالج جذور المشكلة المرتبطة بتراجع المخزونات وتغير مواقع الأسماك وارتفاع تكاليف الصيد، كما يمكن أن تنتج عنها تداعيات غير متوقعة على سلسلة الإنتاج والتصدير.

ويمثل السردين مادة غذائية أساسية بالنسبة إلى شرائح واسعة من الأسر، خاصة ذات الدخل المحدود، ما يجعل أي ارتفاع في أسعاره أو تراجع في توفره مرتبطاً بتداعيات اجتماعية تتجاوز قطاع الصيد نفسه.

ويربط الباحث كذلك الضغوط على المخزونات السمكية ببعض أشكال الدعم الحكومي الموجه إلى قطاع الصيد، ولا سيما دعم الوقود، معتبراً أن خفض كلفة المحروقات بالنسبة إلى الأساطيل قد يشجع على زيادة مجهود الصيد.

وبحسب تقديرات فريقه البحثي، بلغت قيمة الدعم العالمي لمصايد الأسماك نحو 35.4 مليار دولار سنة 2018، منها 22.2 مليار دولار صُنفت ضمن الإعانات التي تعزز قدرات الصيد، والتي يمكن أن تساهم في تفاقم الاستغلال المفرط للمخزونات.

ولا تبدو الضغوط مقتصرة على المغرب، إذ تواجه إسبانيا والبرتغال بدورهما تحديات مرتبطة بالسردين. ففي البرتغال، أعيد فتح موسم صيد السردين لسنة 2026 بسقف وطني بلغ 33 ألفاً و446 طناً، أي أقل بنحو ألف طن مقارنة بالسنة السابقة.

أما إسبانيا، فحصلت على حصة صيد تقل بنحو 3 في المائة عن السنة الماضية، في وقت واصلت فيه الأسعار ارتفاعها، ليبلغ متوسط سعر السردين نحو 1.50 يورو للكيلوغرام، بزيادة تناهز 50 سنتاً مقارنة بعام 2024.

وتحذر المعطيات التي استعرضها التقرير من أن استمرار ارتفاع حرارة البحار وكلفة الطاقة وتراجع المخزونات قد يعيد رسم خريطة قطاع السردين خلال السنوات المقبلة، مع انعكاسات محتملة على أسعار الغذاء ودخل الصيادين الصغار وحركة اليد العاملة بين بلدان المنطقة.

وفي هذا السياق، أشار صميعة إلى أن الضغوط الاقتصادية على الصيادين قد تتحول بدورها إلى عامل يدفع نحو الهجرة، خاصة عندما تتراجع فرص العمل ويزداد العبء المالي على الأنشطة التقليدية للصيد.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.