العرائش نيوز :
ذ : رشيد الركراك
هناك سؤال يفرض نفسه اليوم بإلحاح على كل من يتابع الحياة السياسية بالمغرب خصوصا وأن الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 أكدت يقينا وبلغة الأرقام عن تراجع المشاركة الانتخابية ، وأن الشباب بشكل خاص نفر من السياسة ومن العمل السياسي ومن المشاركة السياسية ، فلماذا أصبح عدد من الشباب ينظرون إلى الأحزاب السياسية بنوع من التحفظ، بل وأحيانًا بكثير من عدم الثقة؟ ولماذا يفضل بعضهم البقاء بعيدًا عن التنظيمات الحزبية، رغم ما يبديه من اهتمام بقضايا المجتمع وهو الامر الثابت من وسائل التواصل الإجتماعي ، وما يعبر عنه من آراء وانتقادات ورغبة في التغيير عبر المنصات الإلكترونية؟
ليس من الإنصاف أن نختزل هذه الظاهرة في عزوف الشباب عن السياسة، أو أن نتهمهم بقلة الوعي وضعف الحس الوطني، فالشاب (ة) الذي يناقش قضايا البلاد، ويتابع ما يجري، وينتقد الاختلالات، ويطالب بالكرامة وتكافؤ الفرص، ليس بالضرورة شابًا غير مهتم بالسياسة بل العكس هو الصحيح، ربما يكون ببساطة قد فقد الثقة في الطريقة التي تُمارَس بها السياسة داخل بعض الأحزاب ومن خلال الأحزاب داخل بعض المؤسسات المنتخبة ، وإن كانت الحقيقة التي ينبغي أن تُقال بصراحة ولا يمكن إخفاءها هي أن جزءًا من أزمة الأحزاب المغربية يوجد داخل الأحزاب نفسها، في طريقة تدبيرها، وفي طبيعة العلاقات التي تحكم مناضليها، وفي المسافة الكبيرة أحيانًا بين ما تقوله في خطابها وما يجده الشباب عندما يقررون الاقتراب منها.
• مناضل في الميدان… ومهمش عند توزيع المسؤوليات:
من خلال تتبعي الشخصي للممارسة الحزبية كمواطن عادي جدا ، لاحظت أن الشباب يحظون باهتمام كبير في بعض المحطات، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالحملات الانتخابية، والتجمعات، والتواصل مع المواطنين، والتعبئة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في تلك اللحظات، يصبح الشباب عنصرًا أساسيًا، ويُعوَّل على حماسهم وقدرتهم على الحركة والتواصل وإقناع الآخرين ، لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون هو: ماذا يحدث بعد انتهاء هذه المحطات؟أين يذهب ذلك الحماس؟ وهل يجد الشباب المكانة نفسها عندما يتعلق الأمر بالمشاركة في اتخاذ القرار، أو تحمل المسؤولية، أو الحصول على تزكية انتخابية، أو التقدم داخل هياكل الحزب؟
الجواب أنه هنا تبدأ المشكلة الكبيرة وهنا مربط الفرس ، فبعض الشباب يشعرون بأن المطلوب منهم هو الحضور والعمل والتعبئة والدفاع عن اختيارات قد لا يكون لهم رأي حقيقي في صياغتها، بينما تظل القرارات المهمة محصورة في دائرة ضيقة جدا من القيادات التي اعتادت تدبير شؤون الحزب بالطريقة نفسها ولسنوات طويلة بهدف الحفاظ على الريع الحزبي وما ينتجه من مصالح جد ضيقة وبمرور الوقت، يتولد لدى الشباب إحساس بأن دوره محدد سلفًا: أن يكون حاضرًا عندما يحتاجه الحزب، وأن ينتظر عندما يتعلق الأمر بمستقبله داخله.
ومن الطبيعي أن يطرح هذا الشاب سؤالًا مشروعًا: إذا كان اجتهادي والتزامي وحضوري المستمر لا تترتب عنها فرصة حقيقية للتقدم، فما الذي يمكن أن أقدمه أكثر من ذلك؟
• في بعض الأحزاب.. القرب من القيادة قد يكون أهم من الكفاءة:
لا يمكن إنكار قيمة التجربة التي راكمتها أجيال من السياسيين المغاربة، ولا يمكن مطالبة كل قيادة راكمت سنوات من العمل بالتنحي لمجرد أن هناك شبابًا يريدون تحمل المسؤولية، فالسياسة تحتاج إلى الخبرة كما تحتاج إلى الطاقات الجديدة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الخبرة إلى احتكار، وعندما يصبح الاستمرار في المسؤولية حقًا مكتسبًا، وعندما يشعر المناضل بأن الطريق إلى المواقع المتقدمة لا يمر بالضرورة عبر الكفاءة والاستحقاق، وإنما عبر القرب من الأشخاص الذين يملكون القرار ، في هذه الحالة، لا يعود السؤال داخل الحزب هو: ماذا قدمت؟ وما الذي تستطيع أن تضيفه؟ بل يصبح، في بعض الأحيان: من يعرفك؟ ومن يدعمك؟ وهل أنت محسوب على هذه الجهة أم تلك؟ وهنا بالضبط يفقد العمل الحزبي جزءًا من معناه، . فبدل أن يتنافس المناضلون في تقديم الأفكار والمبادرات، قد ينشغل بعضهم ببناء العلاقات التي تضمن لهم موقعًا أفضل داخل التنظيم، وبدل أن يكون الاختلاف في الرأي مدخلًا لإغناء النقاش، قد يتحول إلى مصدر قلق لمن يخشى أن يُفهم نقده باعتباره خروجًا عن الصف أو مساسًا بمكانة القيادة، ولعل أكثر ما يثير الإحباط لدى الشاب هو أن يرى شخصًا أقل منه اجتهادًا أو حضورًا يتقدم عليه، لا لأنه قدم ما هو أفضل، وإنما لأنه أقرب إلى المسؤولين أو أكثر قدرة على مسايرتهم، ومع تكرار مثل هذه التجارب، يقتنع البعض بأن النجاح داخل الحزب لا يحتاج فقط إلى العمل والنضال، بل يحتاج أيضًا إلى معرفة من أين تؤكل الكتف، وهذه العبارة، على بساطتها، تلخص جانبًا من المعضلة: حين تصبح معرفة مفاتيح العلاقات الداخلية أكثر أهمية من امتلاك مشروع سياسي، فإن الحزب يخاطر بتحويل مناضليه إلى باحثين عن المواقع بدل أن يكونوا أصحاب قضية.
• حين تصبح المكتسبات من نصيب المقربين:
هناك جانب آخر لا يُناقش دائمًا بالوضوح الكافي، يتعلق بكيفية توزيع الفرص والمكتسبات داخل بعض التنظيمات الحزبية.
فقد يشعر مناضل قضى سنوات في العمل الميداني، وشارك في الأنشطة، وتحمل المسؤوليات، بأنه لا يحظى بالتقدير نفسه الذي يحظى به آخرون، لمجرد أنهم أقرب إلى بعض القيادات أو أكثر حضورًا في دوائرها الخاصة.
وقد يلاحظ أن فرص التزكية أو التمثيل أو تحمل المسؤولية لا تُحسم دائمًا وفق معايير معلنة يعرفها الجميع، بل تتدخل فيها حسابات شخصية وتنظيمية يصعب أحيانًا فهمها أو الاعتراض عليها.
المشكلة هنا ليست في أن تكون هناك علاقات داخل الحزب، فهذا أمر طبيعي في أي تنظيم بشري، وإنما في أن تتحول هذه العلاقات إلى معيار غير معلن لتوزيع الفرص، وأن يشعر المناضل بأن ما يحققه بجهده لا يكفي، ما لم يكن مسنودًا من جهة نافذة.
ومع الوقت، قد يجد الشاب نفسه أمام خيارين: إما أن يساير قواعد اللعبة كما هي، حتى وإن لم يقتنع بها، وإما أن يحافظ على استقلالية رأيه ويتقبل احتمال بقائه في الهامش.
ولا شك أن هذه المعادلة مؤذية للعمل السياسي؛ لأنها لا تهمش فقط بعض الشباب، بل قد تدفع الأكفاء منهم إلى الانسحاب، وتترك المجال أمام من يتقنون تدبير العلاقات أكثر مما يتقنون تدبير الملفات والدفاع عن قضايا المواطنين، وحين يحدث ذلك، لا يخسر الشاب وحده، بل يخسر الحزب أيضًا لأنه يفرط في طاقات كان بإمكانها أن تمنحه نفسًا جديدًا ومصداقية أكبر، من السهل أن نطلب من الشباب التسجيل في اللوائح الانتخابية، والمشاركة في التصويت، والانخراط في الأحزاب لكن الصعب هو أن نقدم لهم أسبابًا حقيقية تجعلهم يؤمنون بأن مشاركتهم يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرا في الخريطة السياسية الوطنية ، ولذلك، فإن معالجة العزوف لا تبدأ فقط من المواطن الذي ابتعد، بل تبدأ أيضًا من الحزب الذي ينبغي أن يسأل نفسه لماذا لم يعد قادرًا على الاحتفاظ بمناضليه، ولماذا يغادره بعض الشباب بعدما كانوا أكثر الناس حماسًا للدفاع عنه.
إن المطلوب ونحن مقبلين على انتخابات المجالس الترابية الجماعية والغرف المهنية ليس إقصاء الشيوخ بل إنهاء احتكار القرار لأن التجربة لا تعني احتكار القرار، والاحترام لا يعني الطاعة المطلقة، والاستمرارية لا ينبغي أن تتحول إلى إغلاق للأبواب أمام الآخرين.
المطلوب هو أن تكون هناك قواعد واضحة للتنافس على المسؤوليات، وأن يُقيَّم المناضلون على أساس ما يقدمونه، وأن تتاح للشباب فرصة حقيقية للتكوين والتدرج وتحمل المسؤولية، وأن يصبح تداول المواقع أمرًا طبيعيًا لا تهديدًا للقيادات القائمة.
كما أن الحزب القوي ليس هو الذي يضمن بقاء الأشخاص أنفسهم في مواقعهم، بل هو الذي يستطيع إعداد بدائل قادرة على مواصلة العمل وتطويره وتجديده ، دون أن يشعر بأن تغيير الوجوه يعني نهاية التنظيم …. ننتظر ما سيحدث وهل ستغير الأحزاب طريقة إشتغالها وإستقطابها للنخب الحقيقة وللطاقات الشابة ، مع أن العزوف عن الأحزاب السياسية في المغرب لا يمكن تفسيره بعامل واحد، ولا تتحمل الأحزاب وحدها كل أسبابه، فهناك أيضًا عوامل اجتماعية واقتصادية، وتجارب انتخابية، وتوقعات لم تتحقق، وأزمة ثقة أوسع في الفعل السياسي و أن السياسة التي لا تفتح المجال أمام جيل جديد من الكفاءات والمبادرات، محكوم عليها بأن تدور في الحلقة نفسها، بالوجوه نفسها، وبالخطاب نفسه، ثم تتساءل في كل مرة عن أسباب العزوف…. لدينا أقل من سنة على الانتخابات المقبلة وسنرى هل ستعاد نفس الممارسة أم سيكون هناك تغيير.
