الاستاذ عزيز قنجاع يكتب عن انتكاسة الثورة من خلال وثيقة الأزهر

بقلم: عزيز قنجاع

وثيقة الازهر، انتكاسة الثورة

في ظل الصراع الدائر حول التعديل الدستوري الراهن بمصر وتنبيها للتضليل اللفظي والمفاهيمي والمعرفي الذي تمارسه القوى الاسلامية السائدة في انتاجها للمعرفة، تاتي هذه المساهمة للتعريف بالمنحنيات التي تعرفها العملية الفكرية لدى القوى الاسلامية بمصر من خلال و ثيقة اعتبرت تقدمية في وقتها، فقد صدرت بتاريخ 14 صفر 1433 الموافق 13 فبراير2012 ووثيقة الأزهر حول منظومة الحريات الأساسية ، وتعد هذه ، الوثيقة الثالثة التي تصدر عن الازهر منذ انطلاق الثورات العربية فهناك أولاً: وثيقة الأزهر حول مستقبل مصر.  ثانياً: وثيقة الأزهر حول دعم إرادة الشعوب العربية.

ثالثاً: وثيقة الأزهر حول الحريات الأساسية. وقد قوبلت الوثيقة الثالثة لدى الكتاب المغاربة صدى وترحابا واسعين من قبل مثقفينا بالمغرب وخصصت لها الجرائد الوطنية ملفا كاملا، كحال جريدة الاتحاد الاشتراكي التي اعتبرتها ثورة ثانية بل ” ثورة غير مسبوقة من مؤسسة دينية مماثلة في العالم العربي منذ عصر النهضة زمن رجال لفكر المتنورين” كما ذهب الى ذلك لحسن العبسي بنفس الملف على نفس الجريدة ، بل وقد رأى هذا الأخير في النقاط الأربع حول الحريات، ثورة فعلية حين شددت الوثيقة في نظره على الحريات الاربع, : حرية العقيدة الدينية، وحرية الرأي وحرية التعبير و حرية البحث العلمي وحرية الإبداع الأدبي و الفني معتبرا الوثيقة ترجمانا عاليا لروح الحداثة.

وعلى نفس المنوال كتب احمد عصيد عن هذه الوثيقة في عموده الأسبوعي بجريدة “الأحداث المغربية ” الكلام غير المباح” مشيرا الى الجوانب المضيئة فيها ومعلقا بالقول ان هذه القيم  “التي ما زال بعض إسلاميينا المغاربة وفقهائنا يجدون صعوبة في قبولها، معتبرين أنها قيم غريبة عن “تقاليدنا العريقة”، هذه التقاليد التي ليست سوى وصفات فقهية جاهزة، تهدف إلى تنميط المجتمع في نموذج وحيد ونهائي للتديّن المنغلق.”.مضيفا ان الوثيقة تعطينا ” نموذجا للقراءة الاجتهادية للشرع عبر البحث فيه عن القيم الكونية النبيلة واعتمادها في ملائمة الدين الإسلامي مع حاجات المجتمع المعاصر.” فبين اعتبارها “ثورة ثانية” و بين اعتبارها “نموذجا للقراءة الاجتهادية للشرع” تحضر البداهة البلهاء لتحل مقام القراءة، وتحل الواقعية الظرفية مقام الفكر النقدي .

لكن ما تجب الاشارة اليه قبل الانطلاق في نقاش هذه الوثيقة، أن هذه الأسس والمبادئ التي قامت عليها هذه الاخيرة، ليست طارئة ولا هي قول جديد ، بل كل مبادئها تعتبر ركنا أساسيا في المقال النهضوي الكلاسيكي، نجدها مصاغة بوضوح اكبر لدى مفكري النهضة كالشيخ محمد عبده وحسن العطار، والشيخ رفاعة الطهطاوي، والمفكر الكبير علي عبد الرازق الذي تجاوز هذه الوثيقة بكثير حين وضع أسس الحكم أي السلطة في الإسلام موضع سؤال. الى محمد عبد الوهاب وخير الدين التونسي والسنوسي والكواكبي الى مدرستي ” العروة الوثقى” و “المنار” مرورا بحركات السلفية في الشام والمغرب.

ويبدو من خلال الوثيقة إذن أن أسس الفكر العربي المعاصر لازالت تراوح مكانها ضمن دائرية مغلقة ابتدأت أواسط القرن التاسع عشر وأعادت نفسها بشكل مستنسخ في محطات متفاوتة من تاريخينا المعاصر سواء إبان النكسات أو الانقلابات او الأزمات المتعددة وأخيرا وثيقة العشرية الثانية من القرن العشرين. ويبقى السؤال لم دائما العودة إلى عين الإشكالية التي تحكمت في الفكر النهضوي؟، ولم اتخذت الوثيقة الراهنة في الحريات شكل تذكير بالأسس المبكرة للمقالة النهضوية؟ المصاغة بأكثر من طريقة حسب المدارس الكبرى من الأزهر في مصر، والزيتونة بتونس والمدرسة الفكرية الاسلامية بالجزائر بقيادة الامام عبد الحميد ابن باديس ومدرسة المغرب السلفية بقيادة محمد بالعربي العلوي و علال الفاسي والمدرسة الشامية التي حمل لواءها جمال الدين القاسمي وعبد الرازق البيطار ومدرسة التوحيد في مكة المرتبطة الصلة بالدعوة التي قادها الامام محمد بن عبد الوهاب ومدرستي النجف والالواسي في العراق.

للإجابة على هذا السؤل سنعيد ومن خلال الوثيقة استبيان الأسس المستعادة للإشكالية النهضوية وذلك في أفق تجاوزها.

تقوم الوثيقة على الأسس التالية،

أولا: استدعاء نصوص دينية بعينها لتبرير فهمها للحرية دون التطرق بالتعرض او بالتحفظ عل آيات قرآنية و أحاديث نبوية تذهب إلى العكس من فهم أصحاب الوثيقة كما هو الحال في حرية العقيدة ونقصد بالتعرض او التحفظ و ضع الآيات المعاكسة لفهم أصحاب الوثيقة ضمن أطرها المطابقة، لأنه لا يمكن بحال أن تقوم حقيقتان متعارضتان في النص القرآني الواحد. أي إعادة تاريخ من التوفيق بين المفاهيم و التصورات الحديثة و بين المفاهيم التي انبنى عليها الإسلام كعقيدة وخصوصا تاويل الايات و استعمال منطق الانتقاء في التعاطي مع النص الديني ، بالشكل الذي يحقق على صعيد بنية التوفيق صواب وجهة النظر الإسلامية.

ثانيا: تستدعي الوثيقة تنميطا دلاليا للتاريخ حين تشير الى علماءنا المسلمين الذين ابدعوا في المجالات العلمية لبيان حقائق الأسبقية لكنها لا تشير إلى الحجر والمعانات التي تركها لنا هذا التاريخ نفسه في هذا المجال، حيث يقوم الخطاب النهضوي على تجميع أحداث تاريخية دون غيرها و تقديمها على أساس أنها عين الماضي عن طريق آليات الملاءمة القياسية حيث يتم تحديد معنى الحاضر بالقياس على الماضي وهي في عمقها عملية خاطئة لكن الفكر السلفي يعيد تركيب الخطأ حين يعتمد الماضي المعاد بناؤه باستمرار، بعد ان يتم اقتطاعه من سياقه الذي تبلور فيه وظروفه وشروطه العامة.

ثالثا: وفي باب حرية الإبداع الأدبي و الفني استدعت الوثيقة سلطة الحاضر التي يمثلها المجتمع باعتباره الحاضن للمشاعر و القيم و الأخلاق الدينية المستقرة. شارطة حرية الإبداع بعدم المساس بالمشاعر الدينية او القيم الأخلاقية المستقرة، ومن هنا تعطي الوثيقة الغلبة لصاحب السلطان على اعتبار انه من يملك قوة الحفاظ على المشاعر الدينية و الأخلاقية الدينية المستقرة. وعلى اعتبار كذلك أن السلطة دائما تطرح نفسها وعاء القيم السائدة والحافظة لها، حين تترك للمجتمع سلطة المرجع الذي بدوره في آخر المطاف تتحدد مرجعيته وفقا للذي يملك القدرة على تحديد محتواه أي صاحب القرار. وهكذا تعيد الوثيقة نفس أسس المقالة النهضوية بل والخطير أنها تمهد لنا وترسم أفق وشكل النقاش الممكن على أرضيتها.

ففي باب العقيدة: فمعارضة حرية العقيدة كما جاءت بالوثيقة ستتم حتما باستدعاء نصوص قرآنية أخرى معارضة لفهمها وهكذا لن نبرح ، مؤيدين أومعارضين، مجال العقيدة في مضمون الحقوق بالفصل في أحسن الأحوال بين عقيدة نقية وعقيدة ملوثة خاضعة للأهواء، ولن نتجاوزها إلى مضان فلسفية أخرى ُتضمن الحقوق عمقا فلسفيا مغايرا.

وفي باب التاريخ: سيستدعي المعارضون نصوصا بعينها وأحداث مميزة أخرى لتبرير أو تصليب أو تحوير موقف ما مناقض لها، في نظرة تقوم على استجداء احداث تاريخية بعينها، والعودة الى الموروث التاريخي لانتقاء مادة يشيد منها نظاما عقائديا يعيد تحقيق الإجماع من جديد حيث لا تتم قراءة التاريخ وفك رموزه بل إعادة صياغته بإهمال ترابط الوقائع كما يتبثها النقد التاريخي. وبذلك لن يبارح الجميع نظرة محددة للحاضر تقوم على اعتبار الماضي جوهر الحاضر واصله. و التاريخ في هذا المعنى يصبح مصاحبة دائمة لهوية ثابتة.

وفي باب الحاضر: تترك الوثيقة الغلبة لصاحب السلطان كما قلنا حين يتحول الذوق العام أي المشاعر الدينية و القيم الأخلاقية المستقرة الى نظام عمودي صارم المرجعية، فيتم إلغاء المجتمع وتعبيراته المتناقضة لصالح من هو قادر على تحديد محتوى الأخلاق المستقرة حسب تعبير الوثيقة أي الجهة المهيمنة ميدانيا والمسيطرة سياسيا. ومن اطلع على مسار الفكر العربي من تجربة النهضة إلى الآن سيتعرف حتما على السيناريو القادم.

لكن المشكلة تصبح مركبة حين نسجن نقاشنا لراهننا السياسي ضمن الأطر التي تضعها الوثيقة الأزهرية لأنها تحمل في أحشائها إشكالات فكرية ماضوية – نهضوية و كأنها عين الإشكال الحاضر، حيث تحضر الإشكالية السؤال التي انتظم على أرضيتها الفكر العربي النهضوي المصاغة في: لماذا تقدم الآخر وتأخرت الذات؟، كسياج ناظم لكل الأجوبة الممكنة، إذ تحضر الذات كمطلق و الآخر كمطلق وبينهما تميل الأهواء وتتشاكل. إن الأجوبة المقدمة على أرضية هذا الإشكال قد استنفدت جميع مقوماتها. ونحن حين ننغمس في نقاشها بالاتفاق او الاختلاف مع النقاط المدرجة فيها فإننا بالضرورة والاستتباع ننزلق إلى استحضار قرن و نصف من الإشكالات و الردود وبذلك لن نبرح ما هو مسطر سلفا في صلب الخلاف وسنعيد نفس الدورة من جديد.

هل آن الأوان لتجاوز إشكالية النهضة، إنها مهمة أساسية في حاضرنا الراهن الذي اثبت حراكه الراهن أن الأوائل الذين خرجوا للشارع في تونس و مصر لإسقاط الاستبداد، نادوا بالبرنامج الإنساني الشامل كما تحقق في الغرب، أما الذين سيطروا بعد ذلك على الثورات فهم من يعيد في الآن تحديد مجال إشكالاتنا.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.