شباب الضفتين يلتقون في العرائش لترسيخ قيم الحرية من خلال الفن والتواصل
متابعة: خالد ديمال
تحت شعار “جسور ورؤى، من أجل مكافحة العنصرية من خلال الفن والتواصل” puentes y visiones, lucha contra el racismo a traves del arte y la comunicacion ومعها ترسيخ قيم الحرية وتحقيق السلام بين الشعوب، إستقبلت مدينة العرائش على إمتداد ثلاثة أيام، الجمعة والسبت والأحد 9 و10 و11 غشت 2013 لقاء “شباب الضفتين”، وهو اللقاء الذي إحتضنته جمعية قوارب الحياة للثقافة والتنمية بشمال المغرب بتنسيق مع جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان بالأندلس وجمعية الفضاء المفتوح، وقد إنطلقت أشغال هذا اللقاء بزيارة للمدينة العتيقة رفقة فرقة النجوم النحاسية التابعة لجمعية الشريف الإدريسي التي جابت مختلف أزقة المدينة العتيقة إنطلاقا من ساحة دار المخزن (comandancia) مرورا بحي القصبة عبر السوق الصغير، وصولا إلى حي القبيبات الذي إستمتعت فيه بأنغام موسيقى الجاز.
أما اليوم الثاني الذي إحتضنه مقر جمعية قوارب الحياة، فقد تم تقسيمه على عدة ورشات، أولاها تطرقت للحركات الإحتجاجية بكل من إسبانيا والمغرب، حيث إختارت “كريستينا سيرفان ميليرو” الحديث عن حركة 15 ماي التي قالت أن السبب الكامن وراء ظهورها يعود بالأساس إلى غياب الديمقراطية بإسبانيا التي تحوز فيها أقلية ثروات البلاد على حساب الأغلبية الساحقة، مضيفة أن الشعور العام بغياب الدولة الديمقراطية ومعه الإحساس بغياب الكرامة هو الذي كان سببا في ظهور الحركة، فكان قاسما مشتركا بين الشباب الإسباني تشرح “ميليرو” الذين عانوا بحسبها من السياسة الطبقية للدولة الإسبانية والإحساس بالتهميش الذي طال هؤلاء الشباب جراء هذه السياسة التي وصفتها ب”الظالمة”، إضافة إلى إشكال السكن بعد الخطر العارم الذي بات يتهدد الأسبان بإلزامهم على إفراغ مساكنهم بعد عجزهم عن سداد قروض الدين لفائدة الأبناك بسبب الأزمة التي ضربت إسبانيا، مؤكدة على إستمرار هذه الحركة في الزمن بإعتبارها مسارا، إلى أن تتحقق معها نتائج التغيير.
من جانبه تحدث رشيد صحارى عن حركة 20 فبراير التي قال أنها تدخل في إطار نفس الحركات التي جاءت عقب الأزمة الإقتصادية العالمية، حيث يعاني المواطنون نفس الإستغلال وذات الصراع مع النظام الرأسمالي المتوحش الذي وصفه ب”نقيض الحركات الإجتماعية الجديدة بمختلف تلاوينها”، مضيفا أن حركة 20 فبراير هي جزء يمثل الشعب المغربي وضمت بحسبه جميع الشرائح الإجتماعية المطالبة بالتحرر، وزاد رشيد بقوله أن التناقضات الإيديولوجية بالرغم من وجودها بالحركة فإنها لم تطغى بقدر تركيزها على التناقض الرئيسي المتمثل في الصراع مع الطبقة الحاكمة المستبدة. معرجا حديثه عن مدينة العرائش التي قال أنها كانت من بين المدن التي تمت فيها فبركة سيناريو رهيب من بين 5 مدن أخرى بهندسة من النظام من خلال إحراقها وبث الفوضى فيها عبر نهج سياسة الصدمة لإيقاف دينامية الحركة، وإعطاء إنطباع بأن المخزن هو الضامن للأمان.
وفي ورشة ثانية حملت عنوان “كيف يغير الفن العالم” والتي قامت بتأطيرها “لوثيا دياث” تحدثت هذه الأخيرة عما أسمته الفن الملتزم على المستوى العالمي وصولا إلى الحالة الإسبانية، معرجة حديثها على طريقة الإشتغال من خلال النزول إلى الشوارع للقيام بردود الأفعال وخلق جو من الضحك والنكات لتمييع القمع، أو من خلال الإشتغال على المقالة الصحفية وإيصال رسائل معينة من خلالها وضربت مثالا بجريدة نيويورك تايمز التي حاولت في غير ما مرة بحسبها بعث رسائل إيجابية على خلاف الأخبار السيئة التي توردها الصحافة، مستحضرة حرب العراق في سياق التذكير أو مسلسل الدعوات المسترسلة من أجل حماية البيئة، وهي العملية التي تخلق بحسبها تساؤلات لدى المتلقي والرأي العام على السواء من أجل تغيير وضعية ناشرة في مكان ما في العالم، من خلال صناعة الملصقات ووضعها على الجدران أو في الأروقة بأشكال إبداعية ذات طبيعة نضالية وفي أوضاع مختلفة لتحقيق السلم والأمان ومكافحة إستغلال الأطفال لإيصال الصورة الحقيقية للمجتمع، وضربت مثالا في سياق ذلك بحالة الأبناك الإسبانية التي نهجت حالة التقشف مع ظهور الأزمة، وقيام الدولة الإسبانية بموازاة ذلك بضخ ميزانية كبيرة في هذه الأبناك مقابل تفقير الشعب، وهي السيرورة التي وصفتها ب”الفضيحة”.
وفي ورشة مشابهة إختار لها مؤطرها “يوسف” عنوان “الفن كوسيلة للنقد الإجتماعي”، أوضح هذا الأخير أن كلا من التنظيم والفنان يحتاجان إلى بعضهما البعض من أجل حشد الناس والتأثير فيهم بسرعة قياسية، فالفنان حسب يوسف يحتاج إلى التنظيم في إتجاه خلق فن ملتزم يقوي الإرادة الديمقراطية. متسائلا عما إذا كان الفنان متعاطفا أم منخرطا أم له إرادة التنظيم أم الإشتغال بعفوية من خلال العمل على الأهداف العامة للتنظيم للوصول إلى فنان منظم عبر الإشتغال على الأولويات حتى يتمكن من نشر دعايته ودعمها عبر ترتيب المواضيع التي تناقش تناقضات الرأسمالية وخطرها على الشعب في إطار العولمة ومعها الخطابات الأساسية للشغل، مع التأكيد على الترتيب يستطرد “يوسف”، مشددا على ضرورة إعتماد الفنان بشكل دائم على الصورة لإيصال الرسائل المرجوة بإستعمال وسائل السمعي البصري للتأثير والمساهمة في التنظيم وكذا من أجل خدمة الفن الملتزم في أفق توضيح أهداف التنظيم والتعريف بها ولو عبر أحداث عرضية.
هذا، وقد عرفت الفترة المسائية تنظيم أوراش تطبيقية لمجمل الدروس النظرية التي سبقتها، سواء في فن الملصقات الحائطية التي أوردت بعض فقراتها المؤطرة “لوثيا دياث”، أو تلك المتعلقة بالفن الملتزم التي أطرها أستاذ الموسيقى “يوسف” من خلال فقرات موسيقية آنية إقترحها المستفيدون من الورشة وقاموا بتلحينها وترديدها بذات الورشة.
وفي ورشة رابعة حول التواصل، أوضحت “فانيسا بيروندي” أن هذا الأخير أصبح ينتج الرسائل سواء عبر الفيديو أو الإنترنيت الذي أضحى بحسبها يلعب دور المرسل، وصار يعطي الفرصة لمن ليس صحفيا أن يلعب هذا الدور رغم إنتفاء المسؤولية المعنوية لديه، على عكس وسائل الإعلام الأخرى التقليدية التي يقع على عاتقها حسب “فانيسا” وضع المعلومات الصحيحة، وضربت مثالا في هذا السياق بالويكيبيديا على المستوى الإليكتروني للحصول على المعلومات بعدما تحول الفيسبوك إلى عالم افتراضي لا أكثر ينشر الإشاعات التي تتحول مع مرور الوقت إلى حقيقة تنقلها الصحافة الورقية وتعتمدها كمصدر للمعلومات دون التحقق من مصدرها، داعية إلى تمحيص مثل هذه المعلومات قبل نشرها والإكتفاء عوضا عنها بالمعلومات الصحيحة.
وعلاقة بموضوع التواصل، كشفت يسرى تاروات، أن التواصل يحتاج إلى رسالة ومرسل ومستفيد ومضمون الرسالة، معرجة حديثها على ما أسمته التواصل الجماعي بين فرد ومجموعة من الناس بشرط إيجاد ناظم يوفر الراحة الجسمية والنفسية لدى مستقبل الرسالة وإحساسه بقيمة الرسالة حتى تفي هذه الأخيرة بغرضها، والتي لخصتها في عدم الإذاية وتبادل الأفكار ونشر قيم الخير والسلام وفق ضوابط حسن النية والبيان وتفادي الألغاز من أجل الوصول إلى طريقة مثلى للتواصل.
إلى ذلك، اختتمت الورشات بعد فترة إستراحة، بأمسية فنية بفضاء حصن الفتح المطل على البحر، على إيقاعات موسيقية متنوعة تراوحت بين الجاز وكناوة وغيرها أبدى معها الحاضرون نوعا من الإنسجام من خلال بعض الرقصات الفلكلورية، فيما كان اليوم الموالي الذي أخذ وصفا ختاميا، طابعا توديعيا غادر من خلاله الوفد الإسباني مدينة العرائش عائدا إلى بلده إسبانيا.
