العرائش نيوز:
حوار أجراه سنة 2009 الصحفي التهامي بورخيص مع الكاتب «عزيز قنجاع» صاحب مذكرات فيلم “زمن الرفاق”..
إن التأريخ لمرحلة معينة ليست بالأمر الهين، خاصة إذا كانت تحفل بالشقّ الإبداعي، بتسليطها الضوء على شريحة من الشباب المغربي داخل الساحة الجامعية. تتأثّر وتُؤثر في المشهد الوطني، لذا إلتقينا صاحب مذكرات فيلم “زمن الرفاق” والّذي أخرجه «الشريف محمد طريبق» ليحدثنا عن حيثيات المرحلة وعن الظروف التي ساهمت في الإشتغال عليها كفيلم، فكان هذا الحوار.
أجرى الحوار: التّهامي بُورخيص
< هل يمكن أن تضعنا في المرحلة الجامعية التي عشتها؟
> يمكن أن أقول عنها إنها صادفت وطنيا وكونيا مرحلة حاسمة من التاريخ الحديث. فموسم سنة 89/1990 إلى حدود سنة 1994 كانت القنطرة التي حملت العالم الى حالته الجديدة الراهنة ففيها كان إنهيار جدار برلين وغزو الكويت من طرف نظام البعث بالعراق وإكتساح جبهة الانقاذ الجزائرية الانتخابات البلدية وما رافق ذلك من انقلاب على نتائجها وبداية مسلسل الدم بالجزائر وأيضا تزامنت مع إعلان تفكُك الاتحاد السوفياتي وظهور القوى الإسلامية كقوة موحدة تطمح للسيطرة على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بجميع الأشكال وعرفت أيضا على مستوى القضية الفلسطينية بداية مسلسل مدريد الذي سيعطينا اتفاق أوسلو مع تراجع المد القومي ودخول المغرب في مسلسل المشاورات حول التداول السياسي الذي سينتهي بصيغة التناوب وانهيار نظام الأبارتايد بجنوب إفريقيا ودخول الحركات اليسارية بأمريكا الجنوبية في المفاوضات حول صيغ العمل السياسي السلمي بعد أن استندت طويلا في عملها النضالي على صيغة الكفاح المسلح وظهور كتاب نهاية التاريخ لفوكوياما.
< كيف جاءت فكرة تدوين هذه الأحداث؟
– هذه الأحداث أعطتني انطباعا أشبه بما عبر عنه ابن خلدون وهو يفسر لماذا إحتاج العالم إلى مقدمته، فبعد استعراض التحول العالمي الذي شمل عهده قال: “وإذا تبدلت الأحوال جملة فكأنها تبدل الخلق من أصله وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث فاحتاج لهذا العهد ما يدون أحوال الخليقة والآفاق وأجيالها والعوائد والنحل التي تبدلت لأهلها»، هكذا جاءت كتابة أحداث المرحلة من خلال وعيي الحاد بأنها بداية مرحلة جديدة تعرفها الخليقة فقمت بتقفّي الأحداث الشخصية التي عشتها وكنت فاعلا في صياغتها كمدخل لتأريخ هذه المرحلة ونقلها للأجيال القادمة فكان فيلم زمن الرفاق فيلما إبداعيا وفي نفس الوقت توثيقيّا.
– كيف تبلورت عندك فكرة تحويل المذكرات إلى شريط سينمائي؟
عندما كتبت المذكرات لم أكن أظن أنها ستكون أحداثا ذات مضمون عمل سينمائي، حتى إلتقيت بالمخرج السينمائي “الشريف طريبق” وكنا نسكن معا بمرتيل قال لي: أنه يود إنجاز عمل سينمائي عن هذه المرحلة، وعندها أعطيته المذكرات، والجميل في الأمر أن الشريف الطريبق كان شاهدا على أحداث هذه المذكرة باعتباره كان يقيم معي في نفس المنزل وأحد الذين عاشوا هذه الأحداث عن قرب، وبالتالي كانت الأحداث بالنسبة إليه معروفة. بعدها بأيام جاءني بمحاولة أولى لسيناريو الفيلم، وهكذا بدأنا العمل معا زهاء ست سنوات، فصّلنا خلالها جميع أحداث المرحلة ومرجعياتها الفكرية وأجواءها النفسية.
-هل يمكن أن تضع مقارنة بين مرحلة عشتها بواقعها وهواجسها وأحداث الفيلم كمخيال؟
-أنت تعرف جيدا أن مشكل التمثل الواقعي حتى على مستوى اللغة مازال يطرح نقاشا داخل أوساط اللسانيين، ومطابقة الدال للمدلول إشكال يصعب التعاطي معه بأجوبة مختصرة، والأمر يصير أكثر تعقيدا على مستوى الدراما، لأننا نبحث وننشئ مدلولات مركبة فهناك أولا السيناريو كتمثل لغوي للواقع والتمثل المضاعف على مستوي تحويل الدلالة اللغوية في السينما إلى سرد بالصورة، فإذن المطابقة التامة لفيلم كيفما كان للواقع أظنه صعب جدا.
– كأول احتكاك لك بالمشهد السينمائي المغربي، كيف تُقيّم الوضع؟
– كان لي الشرف أن أشتغل مع مخرج سيكون له حضوره في المشهد السينمائي المغربي، فبالإضافة لتمكُّنه من عمله كمخرج ـ«فالشريف طريبق»- يحمل دائما قلقه الفكري على كاميراه، لذا استمتعتُ كثيرا بالعمل إلى جانبه، وعندما تصير السينما المغربية بين أيدي هؤلاء أظن أن المستقبل سيحمل الكثير من التقدم للفن السابع بالمغرب.
– أُثير خلال النقاش الذي دار في الندوة الصحفية بطنجة عن الفيلم أنه يمجد فصيلا طلابيا على باقي الفصائل؟
-أبدا، لم يكن الفيلم يمجد فصيلا طلابيا على آخر، بل كان يتحدث عن شريحة اجتماعية ساهمت في بناء تاريخ المغرب الحديث، أثرت فيه وتأثر بها، إلا أن الملاحظ أن تاريخنا هذا لا يتحدث سوى عن الزعماء والرموز وينسى جزءا مهما من فاعليه وهو الشبيبة المغربية بما تحمله من هموم وطموح وأحلام ، وإذا كان الفيلم تناول تجربة الطلبة القاعديين، فهو أيضا عمل على التّنبيه إلى مسألة أساسية وهي لولا هؤلاء الشباب الذين وجدوا بالساحة الطلابية آنذاك، لاختلف تاريخ المغرب كما هو عليه الآن، على اعتبار أن الذي كسر وأعطى للمد الأصولي طابعه السياسي الحالي وأيضا حدّ من حماسة ولادته ـ هم شباب كانت لهم القدرة على أن يتشبثوا بالوجود والبقاء، وأرغموا الطرف الآخر على الاعتقاد نهائيا بأنه لن يكون لوحده وبأنه ليس الوحيد الذي يحمل عين الحقيقة، بل هناك حقائق أخرى لها منطقُها ومُنطلقاتُها رغم أن الثمن كان باهظا.
