العرائش نيوز:
قراءة في الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 (السياق والأهداف والرهانات)
من انجاز: محمد جي حجوجي
الجزء الأول
تقديم:
إن المدرسة المغربية متخلفة وفاشلة، إن الكثير من التلاميذ في السنة الثالثة إعدادي لا يتقنون القراءة والكتابة، كما أنه بعد تسع سنوات في المدرسة، فإن طفلا من أصل ثمانية أطفال لا يتقن اللغة العربية. هذا ما أدلى به وزير التربية الوطنية رشيد بلمختار، خلال منتدى دولي للتعليم، في سبتمبر2014.
ليس هذا إلا النزر اليسير من الوارد في تقرير تحليلي أنجزه المجلس الأعلى للتعليم بتاريخ دجنبر 2014 تحت عنوان تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين 2000 -2013؛ المكتسبات والمعيقات والتحديات .
يوجد بالتقرير ما رشح فقط من تقارير أجهزة الدولة، وتحاول بذلك تلطيف وقع كارثة التعليم منذ تطبيق الميثاق الوطني. وفي الوقت ذاته المعلومات والمعطيات والأرقام التي ستفيد إدامة نفس السياسة التعليمية التي سطرها الميثاق الوطني.
المحددات الكبرى للميثاق:
بدأ المغرب “اصلاح ” المدرسة العمومية منذ بداية الثمانينات بتحفيز من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وبعدهما منظمة التجارة العالمية
لذلك تحددت سياسة الدولة في التعليم بخطوط عريضة وهي بشكل شديد الاختصار:
: * تقليص الميزانية الموجهة لقطاع التعليم وتشجيع البحث عن موارد أخرى لتمويل القطاع.
*فتح الباب للرأسمال الخاص للاستثمار في قطاع التعليم بمبرر مساعدته للدولة لتحقيق تعميم التعليم.
*ملاءمة المدرسة مناهجا وبرامجامع متطلبات السوق؛ تكوين يد عاملة مؤهلة ورخيصة وخانعة وفي نفس الوقت المواطن المستهلك
البنك العالمي.. مواكبة لصيقة للهجوم على التعليم
خلال السنوات القليلة الماضية، لعبت مجموعة البنك الدولي مع شركاء التنمية الأساسيين، كالاتحادالأوروبي والبنك الإفريقي للتنمية، دورا في مساعدة الحكومة على تحديد الإجراءاتوالأولويات المطلوبة للارتقاء بالقطاع.. وقدم مجتمع المانحين دعما نشطا ومتواصلا للحكومة المغربية على مدار عملية التحضير والتنفيذ لبرامج إصلاح التعليم.
ماذا تحقق بعد 13 سنة من تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين؟
جرى تقديم الميثاق سنة 2000 على أنه هو العلاج الناجع لأزمة التعليم، وسيتخلص المغاربة من الجهل والأمية وفي نفس الوقت سيتحسن الاندماج المهني لخريجي المدرسة العمومية، وهو ما ينوه به التقرير التحليلي.
ماذا تحقق من ذلك بعد 13 سنة من إقرار الميثاق وتطبيقه واستكماله بمخطط استعجالي سنة 2009؟
.اولا- رهان التمويل
يؤكد التقرير التحليلي للمجلس الأعلى للتعليم أن الميثاق نص في دعامته 19( المادتان168 و170 )على تحسين تمويل نظام التربية والتكوين وتدبيره بأقصى درجات النجاعة والفعالية، وقد أكد البرنامج الاستعجالي سنة 2009 من جديد تلك التوصيات
لا يقصد عادة في أدبيات البنك العالمي بعبارة ”تحسين التمويل“ رفع نسب وحصص قطاع التمويل من الميزانية العامة أو الناتج الداخلي العام، بل العكس تحسينه كي يكون مواكبا لتحديات عجز الموازنة وأداء الديون الخارجية، وهو ما ظلت ميزانية الدولة المغربية وفية له منذ إقرار الميثاق وتسطيره وحتى قبله مع برنامج التقويم الهيكلي منذ 1983.
ومن توصيات البنك العالمي أيضا تخفيف ثقل تمويل قطاع التعليم عن كاهل الدولة بتنويع مصادر التمويل وهو ما نص عليه الميثاق وبعد المخطط الاستعجالي
يشتكي التقرير التحليلي من العكس: “ما تزال الدولة هي الممول الرئيسي للتعليم المدرسي والتعليم العالي والتكوين المهني، والحال أن الميثاق كان قد أوصى بإلزامية أداء تكاليف الدراسة بعد تطبيق الإصلاح على أساس مراعاة ”درجة يسر الأسر“ ومبدأ ”إعفاء الفئات ذات الدخل المحدود“؛ كما نص على شراكة بين الدولة والجماعات المحلية من أجل المساهمة في تمويل منظومة التربية والتكوين
كيف تطورت ميزانية التعليم منذ تطبيق الميثاق؟
مصادر التمويل العمومي للتربية والتكوين (2003-2004)
المصدر | النسبة المئوية |
قطاع التربية والتكوين | 97.34 |
الجماعات المحلية | 0.49 |
الاسر | 0.46 |
“ارتفعت الميزانية المخصصة للتعليم المدرسي والتعليم العالي والتكوين المهني بأكثر من 37 مليار درهم بين سنة 2001 وسنة 2011 ،إذانتقلت من 8.24 مليار درهم جار سنة 2001 إلى 7.61 مليار درهم جار سنة2011 .وفي المتوسط، ارتفعت الميزانية المرصودة لنظام التربية والتكوين بنسبة %15.7 سنوياخلال الفترة الممتدة بين سنة 2001 و2013”.
إنها لعبة الأرقام، ودورها إيهام القارئ بأن الدولة رغم التزامها بتخفيض تمويل التعليم العمومي لازالتترفع ميزانية هذا القطاع
إن رفع الميزانية الموجهة لقطاع معينة، لا تعني بالضرورة رفع الأرقام، بل بالدرجة الأولى مواكبة الحاجات المتزايدة للتعليم لدى التلاميذ والطلبة من توفير للبنيات التحتية والأطر التدريسية وهو طلب يتزايد بسبب الانفجار السكاني.
إذا كان الميثاق قد اختار الجودة أحد اختياراته الكبرى فإن شروط هذه الجودة قد انتفت بفعل تطبيقه، وقد أكد التقرير التحليلي أن تأطير التلاميذلا ينحصر في نسبة التأطير وحده أي عدد التلاميذ بحسب كل مدرس، لكنه يمتد إلى جوانب أخرى، مثل مدة العمل المخصصة للتلاميذ، وطرق التعلم المتبعة، وجودة التعلم، الخ
فهل انعكست ميزانية الدولة التي يؤكد التقرير التحليلي ارتفاعها على شروط توفير جودة التعليم؟
1-الاكتظاظ:
انتقل عدد التلاميذ بالنسبة لكل قسم ما بين سنوات 2000 و2013 من 31.4 إلى 38 تلميذا بالنسبة للثانوي الإعدادي، ومن31.4 إلى 32.7 تلميذا بالنسبة للثانوي التأهيلي. ويعتبر هذا التطور نتاجا للضغط الديمغرافي المتزايد بهذين السلكين الأخيرين. وعلى سبيل المثال، فإن هذا العدد بلغ 21 تلميذا في الابتدائي بالنسبة لكل قسم في البلدان المنتمية إلى منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية”معطيات 2009 و2011 “”) وأكثر من29 تلميذا في الصين والشيلي“
2-عدد التلاميذ بالنسبة لكل مدرس حسب الاسلاك الدراسية:
السلك | 2000 | 2013 |
الابتدائي | 28.7 | 27.5 |
الاعدادي | 18.9 | 27.5 |
الثانوي | 13.6 | 20.9 |
لا يعني تقلص نسبة التأطير في المستوى الابتدائي تحسنا في إجمالي تمويل التعليم، بل تحويل لجزء من التمويل كان مخصصا
3-تنامي ظاهرة الاقسام المشتركة:
انتقل عددالأقسام المذكورة متعددة المستويات من 18758 سنة 2000 إلى 27695 سنة 2013..كما بلغت حصتها داخل العدد الإجماليلأقسام السلك الابتدائي 23 %في السنة الدراسية 2011 -2012
4-تقلص عدد اطر التدريس:
لقد شهد عقد تطبيق الميثاق انخفاض مؤشر التأطير التربوي بفعل تقليص عملية التوظيف وعملية المغادرة الطوعية، وهو عين ما يؤكده التقرير التحليلي للمجلس الأعلى حيث عرف العدد الإجمالي للمدرسين بالتربية الوطنية تطورا محدودا ما بين سنتي 2001 و2005، حيث انتقل من 213 ألف و500 إلى226 ألف و500.ومنذ ذلك التاريخ بدأ عدد المدرسين في الانخفاض، خصوصا بعد إطلاق عملية المغادرة الطوعية ابتداء من سنة 2004 .وعرف هذا العدد زيادة خفيفة خلال الفترة الممتدة ما بين 2009 و2012 ،منتقلا من 218 ألف و500 إلى أكثر من 230 ألف سنة 2012 .وبالمقابل، انخفض هذا العدد من جديد سنة 2013، ليبلغ 226 ألف مدرس.
أ. لا يخفي التقرير التحليلي أسباب هذا الوضع الكارثي: »يمكن أن نجد تفسيرا جزئيا لازدياد هذه النسبة بالثانوي ، ضمن التقليص في المناصب المالية المخصصة للمدرسين بقطاع التعليم المدرسي وأيضا في التقاعد الطوعي، فضال عن تطور عدد التلاميذ. ونذكر في الأخير بأن الدراسات والأشغال المنجزة على المستوى الدولي، توصي بأن يتحدد حجم القسم بالابتدائي في 18 تلميذا، لكي تكون جودة التعليم هي الأمثل. ويجب أن تؤخذ هذه النسبة بعين الاعتبار، إلى جانب التوقعات المتعلقة بالحاجة إلى المدرسين من أجل ضمان تعليم أجود
ما فائدة رفع ميزانية التعليم إذا كان هذا الارتفاعلا ينعكس في ضمان شروط تعليم مجاني وجيد للتلاميذ والطالب، إذا كان الصراع حول مقعد داخل القسم ومدرج الجامعة سيستمر كأنه صراع من أجل البقاء
وهم الأرقام مرة أخرى
يدعي التقرير التحليلي أن الدولة ربحت رهان تحسين تمويل التعليم برفع الميزانية المخصصة له في الفترة 2001 -2011، وهو ما يعني رقما سنويا
ضئيلا إذا أخذنا بالاعتبار خارج الرقم 37 مليار درهم على عدد السنوات: 7.3 مليار درهم سنويا. ويقر المجلس الأعلى أن ذلك الارتفاع عرف أوجه بين سنتي 2008 و2012%11 وهي الفترة التي تم فيها تنفيذ المخطط الاستعجالي غير أن هذا المجهود التمويلي سيعرف تراجعا كبيرا سنة 2013 ليبلغ 7.56 مليار درهم .
هذه الفترة التي يؤكد التقرير التحليلي ارتفاع ميزانية التعليم فيها قد شهدت تلاعبات كبيرة بالأرقام، وهو ما يدرجه التقرير التحليلي تحت عنوان غريب هو (القدرة على تنفيذ النفقات)، ومعناه أن النفقات المخصصة للتعليم في هذه الفترة لا يتم إنفاقها بالكامل.
خصصت الدولة موارد هامة لتطبيق البرنامج الاستعجالي في الفترة الممتدة ما بين 2009 و2012 .غير أن نتائج تحليل مجهود التمويل والإنفاق، تثير التساؤل حول درجة استنفاذ النظام التربوي للموارد المخصصة للبرنامج المذكور في تلك الفترة، وتحديدا في مجال الاستثمارات والنفقات الحقيقية المندرجة في خانة المعدات والنفقات المختلفة ففي سنة 2001 ،بلغت إصدارات الاستثمار بوزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، أكثر من 5 ملايير درهم، في حين لم تستنفذ نفقات الاستثمار في نفس السنة، سوى 8.0 مليار درهم، أي ما يعادل نسبة %1.16 ،وهو رقم زهيد، كما خصصت الدولة أكثر من 6 ملايير و270 مليون درهم سنة 2011 ،للمعدات والنفقات المختلفة؛ علما بأن النفقات الحقيقية لم تتجاوز في نفس السنة، مليارين و904 مليون درهم، أي %3.46 فقط من المبلغ المرصود.
يتبع
