تاريخ العرائش… ملاحم بطولية على ضفاف نهر اللوكوس (الحلقة الثالثة عشر)

العرائش نيوز:

بقلم: عزيز قنجاع

البنية الديمغرافية

تبدو المعطيات الديمغرافية عن مدينة العرائش خلال القرن التاسع عشر جد شحيحة، كما أن المصادر التي على رغم قلتها قدمت معلومات بخصوص البنية السكانية للمدينة أوردت تقديرات متباينة للسكان، والملاحظ أن جميع المعطيات المتعلقة بالسكان و السكنى والمعطيات المتعلقة بالبنية الإثنية للمدينة خلال القرن التاسع عشر جلها إن لم نقل كلها مستقاة من مصادر أجنبية خصوصا من قبل الرحالة الذين زاروا المدينة خلال القرن التاسع عشر على قلتهم، وتبدو المعطيات التي ساقها هؤلاء أثناء وصفهم لمدينة العرائش عن ساكنتها متقاربة مما يعزز الوثوق بشهادة أصحابها. فأقدم إحصاء بين أيدينا عن ساكنة مدينة العرائش يهم القرن التاسع عشر هو الذي أورده جامس كراي جاكسون في كتابه “شهادات عن الإمبراطورية المغربية، وجهات سوس و تافيلالت”الطبعة الثالثة لندن ،1814 ومعلوم أن الكتاب قد طبع لأول مرة سنة  1809 وتعود أهمية شهادة هذا الرجل نظرا للدقة الكبيرة في وصفه لأحوال المغرب و في المعرفة العميقة بثقافته وبلغة أهله و لهجات جهاته و حسه الكبير في التحقق من أخباره و مشاهداته فهو يقدم لنا عدد سكان المغرب مفصلا ناحية ناحية و مدينة مدينة و يصل عدد سكان الغرب في تقديره إلى 14.886.600 فالعارف بأمور الديمغرافيا المغربية سيبدو له رقم أربعة عشر مليون نسمة رقم مبالغ فيه نظرا لكون هذا التاجر الرحالة يعد الوحيد على طول الذين تحدثوا عن الإحصائيات الخاصة بسكان المغرب، الذي سجل رقما بهذه النسبة العالية للسكان، فلم يسبق أن تجاوزت تقديرات سكان المغرب في أحسن الأحوال 8 ملايين نسمة ثانيا هذا الرجل عاش فترة الطاعون الذي ضرب المغرب سنة 1799-1800 ، وشاهد مدى الدمار السكاني الذي خلفه هذا الوباء على اعتبار أن صاحبنا فضل البقاء بالمغرب وعدم السفر إلى جبل طارق أو إلى أوروبا عموما، وبقي شاهدا على حجم الكارثة التي أضرت بالهرم السكاني المغربي. وما يعطي لإحصائياته قيمتها التاريخية هو المبررات التي ذيل بها معطياته، إذ كان جيمس كراي جاكسون متيقنا أن الرقم الذي يقدمه عن سكان المغرب يبدو كبيرا إلا أنه قال في هذا الصدد “الذين سافروا في إرجاء هذا البلد والغير مطلعين على نمط حياة السكان سيجدون التقديرات الإحصائية هته مبالغ فيها” ويرد على هذا بقول بليغ إذ يجب “التحقق من أن أي أجنبي في هذه الحالة لن يرى إلا نسبة قليلة من السكان لأن دواوير العرب توجد بمسافة بعيدة عن الطرقات”.

وهذا الكلام يذكرنا بكلام المؤرخين القدامى الذين إذا تحدثوا عن ساكنة المناطق النائية بالمغرب قالوا أن بها أمما لا تحصى و لا تعد، نجد العبارة عند أبو عبيد البكري و الشريف الإدريسي واستعملها بكثرة ابن خلدون و نفهمها كذلك من خلال الإحصائيات التي قدمها ليون الإفريقي عن ساكنة المغرب، ثم إن هذا الرحالة يقدم إحصائياته على أنها مستخرجة من السجلات والوثائق المخزنية الرسمية التي اعتمدها في هذا الباب، وقد قدر جيمس كراي جاكسون ساكنة العرائش في 3000 نسمة. ويبدو هذا الإحصاء متقارب جدا بل إلى حد بعيد مع ملاحظات رجل الرحالة والمغامر السالف الذكر والذي عرف تحت اسم “علي باي العباسي” صدرت الطبعة الأولى لكتابه بالفرنسية سنة 1814 تحت عنوان “رحلات علي بيك إلى إفريقيا وآسيا في الأعوام 1803 ،1804،1805 ،1806 و1807 وحمل الكتاب توقيع ” شريف وأمير عباسي، ورع، عالم، حكيم وحاج إلى بيت الله الحرام”. هذا الرحالة المغامر الجسور لم يكن سوى رجل من برشلونة اسمه الحقيقي هو دومينغو باديا ، كان مسؤولا عن مصلحة التبوغ في قرطبة، تعلم العربية عصاميا، وختن نفسه في لندن ثم اتجه إلى المغرب متنكرا في زي شيخ عربي، وقد دخل دومينغو باديا العرائش سنة 1805 وقد سجل ملاحظات مهمة عن المدينة يخصنا منها ما قاله فيما يفيدنا من الناحية الديمغرافية إذ عدد الدور التي بالعرائش حوالي 400 منزل اذ يقول “و العرائش مدينة صغيرة بها حوالي 400 منزل”، وباستعمال منطق التساكن كقاعدة ميزت ساكنة المدن العتيقة فإننا سنصل إلى رقم قد يتجاوز بقليل الإحصاء الذي قدمه جون كراي جاكسن إذ يبقى الرقم متراوحا بين 3000 نسمة تقل أو قليلا أو تزيد قليلا.

لكن الإحصاء الدقيق الذي يقدمه الرحالة “جوكوبو كرابرج” الذي امضي فترة طويلة بالعرائش في نظري يعد الأكثر دقة، فإحصائياته اتفقت مع إحصائيات جون كراي جاكسون في عدد السكان واقتربت من إحصائيات عدد المنازل عند الرحالة دومينكو باديا، إذ يقول أن العرائش تتكون من 2700 مسلم و 1300 عبراني يعيشون وكما نرى أن العدد نفسه ورد عند جاكسون الذي قال إن عدد السكان 3000 ويضيف الرحالة “جوكوبو كرابرج” أن عدد المنازل بالعرائش هو ستمائة مسكن مما لا يدع مجالا للشك أننا أمام معطيات دقيقة وإحصائيات مستقاة من مصادر عليمة.

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.