تاريخ العرائش…ملاحم بطولية على ضفاف نهر اللوكوس (الحلقة الرابعة عشر)

العرائش نيوز:

بقلم: عزيز قنجاع

3التركيبة  السكانية:

تشير جميع كتب الرحلات التي تعرضت لوصف العرائش خلال القرن التاسع عشر ، إلى تعدد الطوائف الدينية من يهود و نصارى و مسلمين، فقد ذكر الرحالة “جوكوبو كرابرج” كما رأينا سابق أن تتكون من 2700 مسلم و 1300 عبراني يعيشون في ستمائة مسكن والى جانب هاتين الطائفتين كانت توجد بالعرائش هيئة فرانسيسكانية أقامت بها رسميا منذ 1822 حسب نفس الرحالة.

 وتفيد مصادر أخرى لرحالة زاروا العرائش خلال هذا القرن أن هذه الطوائف كانت تمارس شعائرها بحرية تامة وتبرز شعائرها ورموزها علانية و بِحُرية فقد ذكر “توماس و سكوف” أن يهود العرائش يقيمون أعيادهم بِحُرية، وقد رخص لهم بذلك المولى اليزيد – حسب نفس المصدر-  عند إقامته بالعرائش للاحتفال في يومهم المقدس في أربع و عشرين ساعة. ونجد أن النصارى بالعرائش تمتعوا بنفس الحقوق. ففي ظهير للسلطان مولاي سليمان لعامله بالعرئش مؤرخ في الثالث من شعبان لسنة 1802 جاء فيه “يعلم من هذا المسطور الكريم والخطاب الجسيم أننا جددنا بحول الله وقوته وشامل يمنه و بركته لخدامنا الفرايلية من جنس الاصبنيول حكم ما بأيديهم من ظهائر أسلافنا الكرام قدّسهم الله وظهير مولانا الوالد رحمه الله وأعاد علينا من بركة رضاه آمين المتضمنة توقيرهم وإسقاط الكلف اللازمة في مراسي آيالتنا السعيدة عنهم فيما يأتيهم من بر النصارى من مأكول و مشروب و ملبوس فلا تفتيش صناديقهم ولا تمتد الأيدي إليها كما لا يحال بينهم و بين ما يريدون من إقامة بمحل أو الخروج عنه إلى غيره”.

هذا التعايش الديني بين الطوائف المختلفة جعل الأوروبيين يزورون العرائش في وقت كان المغرب يعيش فيه فترة من الحساسية الدينية بتأطير من الزوايا و بسبب التوجه الرسمي الاحترازي للدولة، حيث لم تكن السياحة الأوروبية بالمغرب تتجاوز مثلث طنجة تطوان العرائش، وهو ما أكسب ساكنة المدينة خاصية التواصل بلغات متعددة أثارت إعجاب الزائرين للمدينة، وفي هذا الصدد يقول الفاريز بيريز أن سكان العرائش “الكل يتكلم الاسبانية ظرفاء و يمكنك أن تتواصل معهم بسهولة”. كما أن جميع الطوائف انتظمت في مؤسساتها ومارست طقوسها بِحُرية وهذا ما نفهمه من النص الطويل الذي احتفظ لنا بوصف مفصل لعرس يهودي بالعرائش للرحالة “توماس موسكوف” والذي تكتمل أفراحه في الفضاءات العمومية لمدينة العرائش، حيث نجد العروس “تتجه نحو الحمام بالجوق والموسيقى و الرقص بالصينية”. وانعكس هذا التعايش الديني على الصعيد الاقتصادي، حيث نسجت الطوائف المتعددة بالمدينة علاقات تجارية نشيطة لعب فيها اليهود دورا محوريا. وتخبرنا وثائق الخزانة العامة بتطوان عن أوجه هذا النشاط حيث كان اليهود يجلبون الحبوب و الماشية من ضواحي العرائش و يسوقونها من مرسى المدينة إلى الدول الأوروبية المختلفة فنقرأ أن الذمي موشي بن إبراهيم بن خليفة العرائشي كان يتاجر في المواد الفلاحية ( الفول والشعير ) والمواشي من مرسى العرائش وتقول الوثيقة “الحمد لله وحده، بذمة ولد العربي بن محمد العمري نازل قرب قصر الولي الصالح سيدي امبارك نفعنا الله به للذمي موشي بن إبراهيم بن خليفة العرائشي جميع سبع ريال و نصف افرنسيس حازه من يده معاينة ليشتري بها الفول من أسواق البادية واصلا لخزينه للثغر المذكور”. و تخبرنا الوثائق المصنفة بالخزينة العامة بتطوان تحت “مع 6/111” عن نشاط متعدد الأوجه لهذا الذمي. ونجد أمثلة متعددة ليهود عرائشيين كانت لهم مخازن مهمة للوسق بمرسى العرائش كالذمي إسحاق بن مخلوف ولد مريدخ.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.