بلمقدم: قراران خاطئان أزما الوضع الوبائي

العرائش نيوز:

الكاتب العام للنقابة الوطنية للصحة قال إن الحكومة مسؤولة عن تفشي الوباء بسبب إجراءات غير مدروسة

قال كريم بلمقدم، الطبيب في القطاع العام و الكاتب العام الوطني للنقابة الوطنية للصحة العمومية (ف.د.ش)، إن الحكومة اتخذت قرارين قاتلين ساهما في تفشي الفيروس، يتعلق الأول بالسماح بإقامة شعيرة عيد الأضحى، والثاني بإقرار بروتوكول العلاج المنزلي، دون إعداد جيد له. وأكد بلمقدم أن الوضع سيء، خصوصا بالنسبة إلى الموارد البشرية التي تعيش بين مطرقة قلة الإمكانيات وسندان فيروس قاتل، ناهيك عن تعثر ملفاتها المطلبية المشروعة.

< هل تشعر أن هناك حلقة مفقودة في تدبير أزمة كوفيد19؟
< بالفعل، بل هناك حلقات، إذ يعيش المغرب، على غرار باقي الدول، أزمة صحية عالمية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية تختلف من بلد لآخر، كان نصيب بلادنا منها، للأسف، الكشف عن الكارثة التي تقبع فيها المنظومة الصحية، ومحدودية العرض الصحي، رغم الاعتمادات المالية الاستثنائية والمهمة التي رصدتها الدولة للتصدي للوباء، والانخراط الواسع لجميع الأطر الصحية بكل فئاتها وتعبئتها الشاملة بكل إصرار ونكران للذات.
ومكنت تلك الإجراءات الاحترازية وتدابير حالة الطوارئ وتضحية مهنيي الصحة وامتثال المواطنين وتقيدهم بالتعليمات (من مارس إلى يونيو) إلى انخفاض ملحوظ في الأرقام التي وصلت إلى 600 حالة نشيطة نهاية يونيو، وانخفاض معدلات الإصابة اليومية وانحصار حالات الوفيات، ما أعطى انطباعا كاذبا بنجاح الحكومة في محاصرة الفيروس وبالتالي الدخول في مراحل التخفيف من الحجر.

< كيف ذلك؟
< ما وقع أن الحكومة، عوض أن تنكب خلال وجود المواطنين في الحجر الصحي، على الانكباب على حل المشاكل والمعضلات والأعطاب الكبرى، خصوصا في القطاع الصحي، لجأت إلى إنتاج سيل من الشعارات والوعود التي لم تترجم على أرض الواقع.
ففي جميع الدول، كان الهدف من إقرار حجر صحي شامل، هو تأجيل انهيار المنظومة الصحية إلى حين تجهيزها بالإمكانات الكافية لمواجهة تدفق المرضى في مراحل التخفيف، ما لم تقم به الحكومة التي اقتصرت على الشعارات، ولم تتجه إلى الانكباب على إصلاح المنظومة بكل جدية.
وقد لاحظنا ذلك من خلال الفشل في البحث عن موارد مالية لميزانية الصحة وتأهيل البنيات وتوفير الموارد البشرية ورفع وتيرة التكوين والتوظيف للوصول إلى الحد الأدنى المتعارف عليه عالميا على الأقل.
إن الحكومة تتحمل مسؤوليتها أمام المواطنين، في عدم حل إشكالية الخصاص في الموارد البشرية الذي يصل إلى 95 ألف إطار صحي، بينما التوظيفات السنوية لا تتجاوز 5000 منصب لـ2021، فكيف يمكن أن نواجه جميع هذه الإكراهات بهذا العدد القليل من الأطباء والممرضين والتقنيين؟

< ما هي الأخطاء التي ارتكبتها الحكومة حتى وصل الوضع إلى هذا الحد من التدهور؟
< في تقديرنا، هناك قراران حاسمان كان لهما انعكاس سلبي على تطور حالة الوبائية منذ يوليوز إلى اليوم، أولهما قرار الرفع التدريجي على ثلاثة مراحل لتدابير الحجر الصحي، خاصة المرحلة الثالثة التي تزامنت مع عيد الأضحى وانطلاق موسم العطل الصيفية.
أما القرار الثاني الذي زاد من تفاقم الوضع الوبائي، فيتعلق الأمر باعتماد الحجر والعلاج المنزلي للمرضى الإيجابيين ومخالطيهم. وهو قرار، متسرع وغير محسوب العواقب بدقة، في نظري، لم تواكبه وزارة الصحة بالشكل الأمثل لضمان تنزيله السوي والناجع.

إن قرارا إستراتيجيا من هذا الحجم، كان ينبغي أن يواكبه التأكد من شروط الحجر المنزلي السليم خصوصا داخل البنيات السكنية الهشة والأحياء الشعبية والمنازل المتعددة الأنوية، ثم توفير الأطقم الطبية والتمريضية اللازمة بالمراكز الصحية الحضرية المكلفة بالتتبع وتقديم الدواء والعلاجات بالمنزل فكانت الحصيلة كارثية: حاملون لفيروس كورونا ايجابيون يتنقلون عبر وسائل النقل العمومي إلى المؤسسات الصحية الاستشفائية والوقائية لتتبع حالتهم وتلقي الدواء وانعدام شروط الحجر الصحي العلمي، كما كان مطبقا خلال البروتوكول العلاجي بالمستشفيات.
والنتيجة هي ارتفاع صاروخي في أعداد المخالطين والحالات المشكوك فيها منذ نهاية غشت إلى اليوم. كلها عوامل أدت إلى ما نشهده اليوم من تفاقم الوضع الوبائي بالمغرب وارتفاع جميع مؤشراته السلبية والاكتظاظ الهائل بالمستشفيات، خاصة بجهة البيضاء- سطات.

< في ظل كل ذلك، كيف واجهت الأعداد القليلة من الأطباء والممرضين والتقنيين وباء قاتلا وقرارات حكومية خاطئة؟
< بثبات وتضحية من قبل كل العاملين بالقطاع الصحي العمومي. هي بكل تأكيد ملحمة بطولية وتاريخية جسدتها الأطر الصحية بكل إخلاص وتفان في ظل منظومة صحية معتلة من الأصل، وحبلى بالنواقص والاختلالات، وفي مقدمتها النقص الخطير في مقدمي العلاجات وغياب وحدات للإنعاش مؤهلة بالأعداد الكافية والعتاد اللازم وضعف التموين وغياب أبسط مستلزمات الحماية مثل الكمامات الطبية والمطهرات ووسائل التعقيم والألبسة الواقية. أضف إلى ذلك، قلة بعض الأدوية المستعملة في علاج مرضى كوفيد19 ومنها المضاد الحيوي والفيتامينات ومنها الزنك وفيتامين “دي” و”سي”.

< هل يمكن القول إن غياب وسائل العمل والعياء كانا سببين في تفشي الإصابات في صفوفكم؟
< فعلا، إن المشكل الكبير الذي تواجهه المنظومة اليوم هو تفشي الفيروس في صفوف مهنيي الصحة، إذ لا يمر يوم دون أن نسجل عشرات الإصابات، إذ وقع استنزافهم واستهلاك كل طاقتهم المهنية خلال الثمانية أشهر الماضية، مع ما واكب ذلك من غياب التحفيز والدعم ورفض الاعتراف بمجهوداتهم من خلال تقديم الرعاية اللازمة عند مرضهم، باعتبار إصابتهم بالفيروس مرضا مهنيا وتعليق عطلهم القانونية.
فصارت الأطر الصحية في وضع بين مطرقة الإصابة بالفيروس وسندان الإصابة بالاحتراق المهني. وأملها الكبير اليوم معلق على انطلاق الحملة الوطنية للتطعيم ضد فيروس كورونا باعتباره الخيار الأوحد للتغلب على الوباء.

ميثاق وطني للصحة

< هناك عدد من المطالب وملفات الشغيلة معطلة؟
< إن تعاطي الحكومة ووزارة الصحة مع ملفات ومطالب الأطر الصحية بكل فئاتها يسير بوتيرة لا تساير تطور الأمور، ولا يمكن أن يرضينا أو يكون محفزا لأطرنا على العطاء والبدل.
وعلى سبيل المثال, تعرف وتيرة الحوار الاجتماعي القطاعي الذي تم استئنافه بعد خوضنا لأزيد من 40 وقفة احتجاجية محلية شتنبر الماضي, تلكؤا وبطئا في التعاطي مع ملفاته المطلبية سواء ذات الأثر المالي أو الإداري. ومازالت العديد من الأطر الطبية والتمريضية والإدارية سواء الناجحة في امتحانات الترقية المهنية، أو التي خضعت للترقية بالاختيار، أو المعاد ترتيبهم في النظام الأساسي الجديد الخاص بهيأة الممرضين وتقنيي الصحة ينتظرون مستحقاتهم المالية منذ يناير 2018، فيما يعرف تحيين وضعيتهم الإدارية تعطلا غير مبررا نطالب بتسريع وتيرته من قبل وزارة الاقتصاد والمالية. وهنا نحذر الوزارة من التعاطي الفئوي مع الملفات المطلبية بهدف التفرقة والتي لن تخدم مصالح الأطر الصحية والمنظومة. كما نعتبر الوقت غير مناسب لمثل هذه المقاربات. كما نعلن أن حل مشاكل الصحة اليوم يكمن في إيجاد صيغة للحفاظ على التلاحم والإجماع الوطني حول أهمية القطاع الصحية والدور الكبير الذي يلعبه في الاستقرار الاجتماعي والتصدي للوباء. وما فتئت النقابة الوطنية للصحة العمومية تنادي بضرورة فتح نقاش وطني عام يفضي إلى ميثاق وطني للصحة يحدد المتدخلين ومستويات مسؤوليتهم من أجل منظومة صحية عمومية قوية، تؤسس لنموذج تنموي مستدام يخلق الثروة ويتصدى لكل التحديات والأزمات، والابتعاد عن كل ما من شأنه خوصصة وتبضيع الخدمات الصحية ذات البعد الاجتماعي المحض.

أجرى الحوار: يوسف الساكت

الصباح


شاهد أيضا
تعليقات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.