العرائش نيوز:
لا يخلو شارع من شوارع المملكة منذ عقود من ظاهرة باتت نتائجها أكثر من وخيمة، إذ تهدد بشكل مباشر السلامة الجسدية للأفراد والممتلكات، حيث صار عاديا أن يطالع الناس مشاهد مختل أو مريض عقلي وهو يقوم بتصرفات غريبة في الشوارع العمومية والأحياء بل إن بعضهم يثير الفوضى عن طريق الرشق بالحجارة أو التعرض للسيارات وتعريض المارة لعنف لفظي تارة وجسدي تارة أخرى، ونستحضر في هذا السياق على سبيل الذكر لا الحصر الجرائم البشعة والإعتداءات التي راح ضحيتها أبرياء لا ذنب لهم سوى حظهم السيء وإحساسهم بالأمان في الشارع العام، فمدينة القصر الكبير مثلا لن ينسى سكانها كيف تم نحر قاصر سنة 2015 من طرف مختل عقلي باغته من الخلف ونحره بواسطة سيف من الحجم الكبير ثم انصرف إلى وسط المدينة حاملا سيفه ومرددا بكل هدوء عبارة :الله أكبر الحمد لله، حيث تم إيقافه من عناصر الشرطة بعد مقاومة عنيفة. ومأخرا اهتز الشارع العام على خبر جريمة قتل سائحة فرنسية بتزنيت ومحاولة قتل سائحة أخرى بلجيكية بأكادير من طرف مختل عقلي، مختل آخر من مدينة وزان عرض طفلا لإعتداء خطير بضربه على مستوى الرأس سنة 2019، حادثة بمدينة تزنيت مختل عقلي عض سيدة كانت تمر بقربه وفي نفس المدينة ضرب سيدة بواسطة حجر على الرأس كادت أن تودي بحياتها من طرف مختل كذلك والحوادث من هذا النوع لازالت تتكرر بشكل شبه يومي حتى اليوم.
ونظرا لخطورة هذا الوضع أصدرت المديرية العامة للأمن الوطني أخيرا مذكرة يوم الجمعة 29 يناير 2022 تم تعميمها على جميع ولايات الأمن و المصالح الشرطية، تشدد على ضرورة التفاعل الجدي والحازم مع المخاطر والتهديدات التي يطرحها الأشخاص الذين يعانون من أمراض عقلية على الأمن العام والنظام العام، كما طالبت ذات المذكرة مصالح الأمن الوطني بضرورة التنسيق الميداني مع جميع الجهات الصحية والإدارية المختصة كلما عاينت أو رصدت تهديدا وشيكا من هته الفئة من المختلين عقليا، والرفع من درجة الإستجابة والجاهزية من خلال تحسيس كافة المصالح بخطورة تسكع الأشخاص المرضى عقليا بالشارع العام.
وأمام عجز السلطات المغربية عن التحكم في ظاهرة المختلين عقليا وإيداع الحالات الصعبة والخطرة في المراكز الصحية وضرورة إخضاعهم للإستشفاء والعلاج صونا لإنسانيتهم وحماية المواطنين وممتلكاتهم، في المقابل تطالعنا أرقام صادمة تدق ناقوس الخطر منذرة بأن القادم أسوأ، فحسب معطيات وزارة الصحة فإن مجموع الأسرة المخصصة للمرضى العقليين لا يتجاوز 2136 سرير كما ورد في مخطط الصحة لسنة 2025، يتوزعون على عشر مستشفيات عمومية للأمراض العقلية المتوفرة في المغرب وهي مستشفيات تتوزع بين محاور المدن الكبرى للملكة فقط، أما عدد الأطباء المختصين في الصحة النفسية والعقلية لا يتجاوز 306 طبيبا موزعين بين القطاعين العام والخاص، في حين أن مجموع المرضى العقليين وصل حاليا إلى 150 ألف حالة حسب المعطيات الرسمية لوزارة الصحة، أي بمعدل طبيب على رأس كل مائة ألف مريض عقلي!
وباعتبار الحق في الصحة لهته الفئة من جهة والسلامة الجسدية لسائر المواطنين من جهة أخرى حق دستوري مكفول للجميع وأمام عدم وجود بنية تحتية لإستقبال المرضى العقليين أصدرت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء سنة 2018 حكما قضائيا يقضي بمسؤولية الدولة في شخص السلطات المحلية “وزارة الداخلية” عن عدم إيواء المختلين في المراكز الخاصة بهم، وتضمن هذا الحكم مسؤولية الدولة المغربية عن الإعتداءات الجسدية التي يتعرض لها المواطنون بالشارع العام من طرف المختلين العقليين والتي قد تؤدي إلى وفاتهم أو إصابتهم بعاهات مستديمة.
وجدير بالذكر أن القانون الحالي الذي ينظم مجال الصحة النفسية والعقلية يعود لسنة 1959 ، أي لم يعد يواكب التطورات المجتمعية الشيء الذي يتسبب في المس بحقوق هته الفئة، في انتظار المصادقة على مشروع قانون 71.31 المتعلق بمكافحة الإضطرابات العقلية وبحماية حقوق الأشخاص المصابين بها المحال على المؤسسة التشريعية منذ سنة 2016 للأسف دونما المصادقة علية.
ولا يفوتنا إغراق بعض المدن بالمختلين عقليا بعد إجلائهم من مدن أخرى سياحية كحل مبتكر للسلطات كما وقع في مدينة القصر الكبير مأخرا والعرائش ووزان مما أثار سخط الساكنة.
وأمام واقع لايمكن تغييره وفئة لايمكن التكهن بردود أفعالها ولا ذنب لها أساسا تبقى الحيطة والحذر هي الوسيلة الناجعة لتفادي أي خطر، فالدولة حتى الساعة لم تنجح في تعميم الصحة البدنية على المواطنين فما بالك بالصحة النفسية !
