«الحريرة» و«الدروس الحسنية» و«النفَّار»… عادات تشكل طقوس رمضان في المغرب

العرائش نيوز:

على الرغم من اكتواء المغاربة بارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية إلى جانب أثمان غير مسبوقة للمحروقات، فإنهم لا يتأخرون في الاحتفاء بحلول شهر رمضان الكريم وتعظيم شعائره، وإحياء عاداته وتقاليده، وهي أمور لا يتساهل فيها المغاربة أبدا، بل ويُجيدون العناية بها وإبرازها، سواء تعلق الأمر بتجهيز الملابس التقليدية وعلى رأسها “الجلابة” و”الكندورة”، أو على مستوى الأطباق الأصيلة المميزة وكذلك تجهيز البيوت وتنظيفها وتعطيرها.
“عواشر مبروكة”، هذه العبارة هي أشهر ما تلهج به ألسنة المغاربة مهنئين بعضهم بحلول شهر رمضان الكريم، ويتمنَّون بها أن تكون أيام رمضان جميعا مباركة، سواء تعلق الأمر بالعشر الأولى، وهي عشر الرحمة، أو عشر المغفرة أو عشر العتق من النار، كما جاء في الحديث النبوي الشريف.
لأهل المغرب عادات متجذرة لا يتخلَّون عنها، ومن بينها ضرب المدافع، صوت عالق في آذان وأذهان المغاربة لكونه ارتبط في وجدانهم منذ الصغر بشهر رمضان وأيامه ولياليه وأجوائه؛ وهو تقليد متبع في العديد من الدول الإسلامية بحيث يقوم جيش البلد بإطلاق قذيفة مدفعية صوتية لحظة مغيب الشمس.
يُروى أن القاهرة عاصمة مصر، أول مدينة انطلق فيها مدفع رمضان، فعند غروب أول يوم من رمضان عام 865 هـ أراد السلطان المملوكي خشقدم أن يجرب مدفعًا جديدًا وصل إليه. وقد صادف إطلاق المدفع وقت المغرب بالضبط، وظنّ الناس أن السلطان تعمد إطلاق المدفع لتنبيه الصائمين إلى أن موعد الإفطار قد حان، فخرجت جموع الأهالي إلى مقر الحكم تشكر السلطان على هذه البدعة الحسنة التي استحدثها.
عندما رأى السلطان سرورهم قرر المضي في إطلاق المدفع كل يوم إيذانا بالإفطار، ثم أضاف بعد ذلك مدفعي السحور والإمساك، قبل أن تبدأ الفكرة في الانتشار في أقطار الشام أولا، القدس ودمشق ثم إلى بغداد في أواخر القرن التاسع عشر، ثم انتقل إلى كافة أقطار الخليج اليمن والسودان والمغرب وغيرها.
في المدن كما في البوادي، لا يزال “النَّفّار” أو “الطبال”، وهو المعروف بـ “المسحراتي” في دول المشرق، يجوب الأزقة والأحياء لإيقاظ الناس من أجل تناول وجبة السحور، وهي عادة محببة ينغمس معها الصائمون في الأجواء الرمضانية.
من المعروف أن المطبخ المغربي يحتل مكانة مرموقة على المستوى العالمي، أما الاستعدادات للشهر الفضيل فتنطلق منذ شعبان عبر تحضير أصناف من الحلويات الشهيرة التي لا تستوي موائد المغاربة عند الإفطار إلا وهي موجودة، وعلى رأسها حلوى “الشباكية” المعدّة من الدقيق والزيت والسمسم واللوز المطحون والسكر، تقلى في الزيت وتغطس في العسل، بالإضافة إلى أنواع أخرى تحتوي على المكونات نفسها وتطبخ بالطريقة ذاتها كـ “المخرقة” و”الزلابية” و”المقروط” وغيرها.
ومن بين أول الأطباق التي يتناولها المغاربة عند كسر صيامهم “الحريرة المغربية” الشهيرة، وهي نوع من أنواع الحساء وتتكون من أنواع من القطاني بالإضافة إلى صلصلة الطماطم واللحم المقطع مكعبات صغيرة وكمية من البقدونس والكزبرة الخضراء.
ولا تحلو ليالي رمضان، فطوره وسحوره وما بينهما دون ارتشاف أقداح الشاي المغربي المنعنع، واجتماع أفراد العائلة على الصينية والبراد، فشغف المغاربة بالشاي الذي أصبح مشروبهم الوطني، جعل زجالين وشعراء ينظمون في حبه ولذة مذاقه القصائد، تلقَّفها الفنانون منذ القديم وقدَّموها للجمهور، حيث لاقت رواجا واستحسانا.
لا تستقيم الأجواء الرمضانية في المغرب دون أداء صلاة التراويح، وبعد سنتين من عدم إقامتها بسبب وباء كورونا، عادت المساجد لتكتظَّ بالمصلِّين من مختلف الأعمار، بمن فيهم الأطفال والنساء اللواتي يقبلن بكثرة في هذا الشهر على صلاة العشاء والقيام جماعة في المسجد الذي يخصص جناح منه للنساء.
وتتميز مساجد المغرب بطرازها المعماري المتفرد بسبب التأثير المُتبادَل لحضارات مختلفة، خاصة الحضارة الأندلسية التي أصبحت سمة بارزة لفن بناء وعمارة المساجد المغربية، ويُعدُّ مسجد “الحسن الثاني” بالدار البيضاء أيقونة تجمع ما تفرق في باقي مساجد المملكة من جمال وزخارف ونقوش وفسيفساء وغيرها.
كيف يمر رمضان دون أن يرأس العاهل المغربي محمد السادس، بوصفه أميرا للمؤمنين، في القصر الملكي بمدينة الرباط، دروسا من سلسلة “الدروس الحسنية الرمضانية”.
وتعتبر هذه الدروس من السنن التي دأب على إحيائها الملك الراحل الحسن الثاني خلال شهر رمضان من كل عام، وكان يرأسها فعليا، وكانت تُلقى أمامه من طرف نخبة من العلماء من داخل المملكة، وصفوة من الضيوف أقطاب العلم والفكر الإسلامي الوافدين من شتى بلدان العالم الإسلامي، وتعتبر امتدادا لتلك الدروس السلطانية التي دَأب سلاطين المغرب على تنظيمها.

القدس العربي


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.