كيف تسبّب النظام الغذائي الحديث في إمراضنا؟

العرائش نيوز:

نشر هذا المقال للمرة الأولى بالإنجليزية في مجلة بولاديوم، بتاريخ 4 يونيو 2022.

في عام 1931 أغلق طبيب أسنان أمريكيّ يُدعى ويستون برايس عيادته وشَرَعَ في رحلة طويلة حول العالم. كان في ستّينيّاته حينها، وقد حَظِيَ بالفعل بمسيرة مهنيّة طويلة ومميّزة إلى الدرجة الّتي يمكن معها اعتباره من بين أكثر ممارسي مهنة طبّ الأسنان تأثيرًا في الولايات المتّحدة. لكنّ رحلته هذه لن تكون تتويجًا لنهاية مسيرته المهنيّة؛ ذلك أنّه كان مصمّمًا على إيجاد إجابة لمسألة كانت تؤرّقه: وهي الشكّ المزعج في أنّ النظام الغذائيّ الحديث كان يسبِّبُ تدهورًا جدّيًّا للصحّة البشريّة. 

مع نهاية القرن التاسع عشر، لاحظ برايس تسارعًا في تفاقم مشاكل الأسنان، وقد كان قادرًا قبل ذلك الوقت على توقّع مسار صحّة أسنان مرضاه ومبحوثيه، لكنّ تلك القدرة كانت في انحسار متسارع، والتجاويف السنّيّة الّتي كان يندُرُ حدوثها من قبل كانت تزداد سريعًا. كان التسوّس في كلّ مكان؛ وكان واضحًا أنّ شيئًا ما قد تغيّر، والمشتبه به الرئيسيّ في ذلك، الّذي كان قد بدأ لتوّه بالتشكّل، هو النظام الغذائيّ الحديث. كذلك كانت الكوادر الطبّيّة في العالم الغربيّ تلاحظ الأمر ذاته، جوستاف ويكسيل، طبيب الأسنان في بوسطن، لاحظ عام 1902 أنه «قبل شحن الدقيق الأمريكيّ المعالج إلى السويد، قبل جيلين من الآن، كان يمكن لطبيبيْ أسنان تغطية حاجات مدينة ستوكهولم بأكملها، أمّا الآن، فأطبّاء الأسنان كثرٌ مثلما هو الحال في أيّ مدينة أمريكيّة».

أراد برايس أن يعرف ما الذي كان يحدث بالضبط؛ إذ اعتقد أنّ التدهور الحاصل ليس عائدًا فقط إلى وجود موادّ حديثة سيّئة في الأنظمة الغذائيّة، لكن أيضًا، إلى عدم وجود بعض «العوامل الأساسيّة» غير المعروفة، والّتي اختفت مع ظهور الأنظمة الغذائيّة الجديدة الّتي تبنّاها المجتمع. لذلك كان مصمّمًا على الذهاب إلى الأماكن الّتي لم يصلها بعد النظام الغذائيّ الحديث، لدراسة صحّة المجموعات البشرية الّتي ما تزال تعيش وفق عاداتها الغذائيّة التقليديّة. 

خلال السنوات اللاحقة، سافر برايس إلى كلّ ركنٍ من أركان العالم تقريبًا. في البداية سافر إلى جبال الألب لقضاء بعض الوقت رفقة قرويّين سويسريّين، ومن ثمّ إلى «هبرديس الخارجيّة» المعزولة قبالة الساحل الأسكتلنديّ، ولاحقًا إلى العيش مع مجتمعات الإنويت في ألاسكا، وهي مجتمعات أصليّة تعيش شمال كندا وفي بعض مناطق الولايات المتّحدة. ثمّ ارتحل إلى أرخبيل المحيط الجنوبيّ لمسح صحّة القبائل البولينيزيّة والميلينيزيّة؛ وإلى أفريقيا الوسطى والشرقيّة حيث قابل ثلاثين قبيلة مختلفة من الماساي إلى التوتسي؛ وإلى أستراليا ونيوزيلندا لمراقبة أنظمة شعوب الأستراليين الأصليين (الأبوريجينال) والماوريين الغذائيّة. وفي النهاية ذهب إلى أمريكا اللاتينيّة لدراسة أسنان قدماء الأنديز وأحفادهم البيروڤيين. وفي العام 1939، بعد ثمانية أعوام من الترحال المكثّف، نشر برايس كشوفاته في كتاب طويل عَنْوَنَهُ بـ«التغذية والضمور البدنيّ». 

تحضر بعض الغرابة عند قراءة كتاب برايس؛ فثمّة أثَر ضئيل للتعالي والشوفينيّة اللّذان صَبَغَا عصره تجاه المجتمعات «البدائيّة»، أو لنظرة الباحث المعاصر المهنيّ اللامباليّة. يبدو برايس، تقريبًا، واقعًا في غرام كلّ مجموعة تقليديّة صادفها، مُرمْنِسًا إيّاهم حدّ الإفراط في بعض الأحيان، لكن، رغم ذلك، معاملًا إيّاهم باحترام عميق يقارب حدّ الرهبة.

بيد أن متعة الكتاب الأكبر ليست فيما احتواه من ترحال، بل في السرد المتعلّق بتجارب برايس الطبّيّة المضنية؛ فالبيانات الناتجة عن تلك التجارب كانت قد وُثِّقَتْ بدرجة مرهقة، مصحوبة بصور مدهشة لتجاربه. كلّ أولئك الّذين لم يتبنّوا النظام الغذائيّ الحديث، في كلّ مكان ذهب إليه تقريبًا، وكانوا ما يزالون يأكلون طعام أجداهم، سواء اعتمَدَ على السمك، أو اللحم، أو الألبان أو الفواكه، أظهروا صحّةً سنيةً أفضل بكثير من أولئك الّذين يأكلون وفقًا للأنظمة الغذائيّة الحديثة. الناس الّذين لم يسبق لهم أن قابلوا طبيب أسنانٍ أو اختصاصيّ تقويم ولم يكونوا في حاجة إليهما. ولم يجد برايس، لدى بعض المجموعات المعزولة، أيّ حالة تسوّس أسنان على الإطلاق. مثلًا، وجد برايس لدى قبيلة دينكا النيل [وهي مجموعة عرقيّة تسكن جنوب السودان] أنّ 0.2% فقط من أسنانهم قد تعرّضت للتسوّس أو التجاويف؛ وكانت النسبة 0.3% لدى مجموعة من الإنويت الساكنين أحد روافد نهر كوسكوكويم في ألاسكا؛ و0.4% بالمئة لدى الماساي في جنوب كينيا. 

الدول كانت دائمًا مسؤولة عن الغذاء؛ والنظام الغذائيّ الحديث هو نِتاجُ خيارات حكوميّة واعية، وليس نتاجًا طبيعيًّا لـ«قوى السوق» المستقلّة.

عندما بدأت هذه المجموعات نفسها بتناول ما وصفه بـ«الغذاء التجاريّ» مثل الدقيق الأبيض، السكّر، والمربّى، ومربّى قشور الحمضيات، والأطعمة المعلّبّة، سرعان ما بدأت أسنانهم بالتدهور وأصبحت التجاويف السنّيّة متفشّيّة بينهم. كان مرتاعًا ممّا فعله الاستعمار بصحّة شعوب أستراليا الأصليّة [الأبوريجينال]: «لم تكن شعوب الأبوريجينال في حياتهم الأصلانيّة بحاجة إلى أطباء أسنان، حيثُ كان بإمكانهم تناول طعام يحافظ على صحّتهم وعلى أسنانهم، أمّا الآن فهم بحاجة إلى أطبّاء أسنان لا يملكونهم». 

لم تكن المسألة مسألة أسنان متعفّنة فحسب؛ فأينما ولّى وجهه، سواء في أوساط صنّاع الخبز السويسريّين أو مجموعات الصيد والجمع ( hunter-gatherers) في النيل؛ وجد أنّ الأنظمة الغذائيّة التقليديّة كانت أكثر تحفيزًا على النموّ البدنيّ من تلك الحديثة. ففي المجتمعات التقليديّة، كان الناس يتمتّعون بمستويات مذهلة من القوّة والقدرة البدنيّة؛ كان يمكن لأطفال القرى السويسريّة قطع الأنهار الجليديّة حفاةً دون التعرّض للإصابة بمرض السلّ، وقد زُعِمَ أنّ الماوري يستطيعون رؤية أقمار كوكب المشتري «الّتي لا يمكن للرجل الأبيض رؤيتها إلّا بمساعدة التلسكوبات»، وكانت قدرة الأسكتلنديّين على السباحة لمسافات بعيدة «تفوق التصوّر تقريبًا». 

جذب كتاب برايس عددًا قليلًا من المتابعين المخلصين في السنوات الّتي تلت نشره، لكنّ حججه لم تكتسب شهرتها حتّى العقود الأخيرة، وهي أنّ الطعام التقليديّ يعكس حكمة صمَدَت أمام اختبار الزمن، وأنّ جودة التربة والعشب أثّرت في جودة الغذاء ومن ثمّ في الصحّة البشريّة، وأنّ الغذاء الحديث يتعارض بعمقٍ مع العيش الصحّيّ. وقد استشهد به كتّاب متخصّصون في الغذّاء مثل مايكل بولان وجاري تاوبيس بصفته مؤثّرًا في أعمالهم. 

لكن، رغم أنّ الكتاب ليس كتابًا علميًّا وفقًا للمعايير الحديثة، فبرايس أقرب لعالم طبيعيّ من القرن التاسع عشر، وهو في جزء منه إثنوغرافيّ وفي آخر باحث طبّيّ، لكنّه مع ذلك، يظلّ كتابًا مذهلًا. كذلك ثمّة الكثير من الغرابة حول برايس؛ مثل هوسه الأحاديّ بسوء التغذية بوصفها سببًا للحرب أو للجرائم؛ لكنّ كتابه رغم ذلك يظلّ مقنعًا بشكل ملحوظ في حجّته القائلة إنّ ثمة خطأ يتعلّق بالنظام الغذائيّ الحديث. 

تغذية السّخَط 

بعد عقود على نشر «التغذية والضمور البدنيّ»، ظهرت خلال العقدين الأوّل والثاني من الألفيّة الثالثة طفرة في الجهود الرامية لمعالجة «الأمراض المرتبطة بنمط الحياة»، الّتي كانت بحلول ذلك الوقت قد صارت وباءً في الأمم الغربيّة. ومع وصول كوفيد-19 إلى الغرب وتسجيل الشعوب الأكثر سمنة لأعلى معدّلات وفيّات، أصبحت الصحّة السكّانيّة عاملًا فارقًا. 

أدّى التحوّل الّذي حدث خلال القرن العشرين، والمتمثّل في توقّف الأمراض المعدية عن أن تكون السبب الأساسيّ وراء الوفيّات، وحلول الأمراض غير السارية محلها، أو ما يسمّيه علماء الديموغرافيا بـ«التحوّل الوبائيّ» (المرتبط بـ«التحوّل الغذائيّ» الّذي أعاد تشكيل النُظم الغذائيّة العالميّة)، أدّى -بشكل كبير- إلى استئصال العديد من الأمراض، ومن بينها شلل الأطفال والحمّى الصفراء، لكنّه لم يُفلِحْ في إرساء قواعد الصحّة العامّة. 

في المقابل، خلق التحول الغذائي سكّانًا بأمراض مزمنة وبحاجة إلى رعاية طبّيّة دوريّة، وعليه انتقلت أنظمة الرعاية الصحّيّة من معالجة الأمراض الشديدة إلى إدارة سكّان في حالة دائمة من المرض لكن «قابلة للإدارة»، مع توفر الكثير من الأدوية، بخلاف ما كان سائدًا، ولكن بصحّة أسوأ من السابق. 

من السهل قراءة ما سبق كتكلفة لتقدّم لا يمكن إنكاره؛ فالناس أكثر غنًى وأفضل تغذية وسيصبح عدد متزايد منهم بدناء. كذلك فإن الناس يعيشون لوقتٍ أطول، ويموتون بالسرطان أو الأمراض القلبيّة بدلًا من الموت بالتفوئيد أو الكوليرا أو برمح في الخاصرة. ثمّة آثار سطحيّة سلبيّة، لكنّ ما يهمّ هو أنّ كلّ شيء في صعود. 

لكنّ رواية المنتصرين هذه ليست إلّا تفسيرًا جزئيًّا لما تغيّر خلال القرنين الماضيين. من الصحيح أنّ «الشخص العاديّ» يعيش وقتًا أطول ممّا كان يفعل في القرون الخالية، رغم أنّ المعدّلات الديموغرافيّة الأوّليّة عادة ما تقدّم الماضي في صورة وحشيّة أكثر ممّا هي دقيقة؛ فالناس الّذين نجوا في طفولتهم يمكنهم، بانتظام، توقّع أن يعيشوا السنين ذاتها الّتي يعيشها الغربيّون اليوم. في دراسته لشعوب Kung Bushmen في صحراء الكالاهاري، يكتب الأنثروبولوجيّ ريتشارد بورشاي لي، أنّ نسبة الأفراد الّذين تزيد أعمارهم عن ستّين عامًا «تكافئ نسبة المسنّين في الأمم الصناعيّة». الأمر نفسه ينطبق على شعوب الـتسماني في بوليفيا الّذين يتمتّعون بعمر نموذجيّ هو 70 عامًا، وذلك ليس سيّئًا بالنسبة لمجموعة تمارس نمط حياة كفافيّ يتألّف من الصيد والجمع والزراعة. 

تحسنت الصحّة في المجتمعات الحديثة في بعض جوانبها؛ فنحن اليوم نعيش أعمارًا أطول، وأقلّ عرضة للجوع أو المُمْرِضاتُ المعدية؛ لكن، عند النظر إلى جوانب أخرى نجد أنّ الصحّة قد أصبحت أسوأ بكثير ممّا كانت عليه.

لا تغفل إحصائيّات العمر المتوقّع مجموعات الصيد والجمع فحسب؛ فلنفكّر بمجموعة سكّانيّة أخرى مشوّهة؛ وهي الطبقات العاملة في بريطانيا أواسط العصر الفيكتويّ (تقريبًا بين عامي 1850 و1870). مع حساب معدّل وفيّات الرضّع، كان متوسّط العمر المتوقّع للبريطانيّين في عمر الخامسة في أواسط العصر الفيكتوريّ يبلغ 75 عامًا للرجال و73 عامًا للنساء، ما لا يختلف كثيرًا عن المعدّل في المملكة المتّحدة اليوم. حتّى إن الأرقام تبدو أفضل بالنسبة للعمر المتوقع الحاليّ لرجال الطبقة العاملة البريطانيّة (بشكل تركيبيّ أكثر بالمقارنة مع سكّان أواسط العصر الفيكتوريّ)، حيثُ يبلغ متوسّط العمر 72 عامًا للرجال، في حين زاد متوسّط العمر المتوقّع لنساء الطبقة العاملة بشكل طفيف ليصل إلى 76 عامًا. 

من المؤكّد أنّ الصحّة في المجتمعات الحديثة قد تحسّنت في بعض جوانبها؛ فنحن بالفعل نعيش لوقت أطول ممّا كنّا نفعل في الماضي، وأقلّ عرضة للتأثّر بالجوع أو المُمْرِضاتُ المعدية؛ لكن، عند النظر إلى جوانب أخرى نجد أنّ الصحّة قد أصبحت أسوأ بكثير ممّا كانت عليه. 

العديد من عناصر تلك الفرضيّة صحيحة؛ فالتسيماني، والهادزا في تنزانيا، والكيتافيّون في جزر بابوا غينيا الجديدة، جميعهم يتمتّعون بصحّة جيّدة مدهشة. ثمّة العديد من الدراسات الّتي وُجِدَتْ على أساس الغياب التامّ لـ«أمراض الحضارة» الّتي تضنينا اليوم؛ فحبّ الشباب، الشائع حدّ العاديّة في الغرب، ببساطة غير موجود في أوساط الكيتافيّين أو الآتشي في البارغواي. في حين يتطوّر الضمور الدماغيّالمرتبط بالتقدّم في السنّ بشكل أبطأ بكثير في أوساط التسيماني، كما يتمتّعون بأدنى مستوياتمرض الشريان التاجيّ الّتي جرى تسجيلها على الإطلاق. 

لكنّ التركيز على مجموعات الصيد والجمع يُغفِلُ مدى حداثة كمّ كبير من هذا التدهور؛ فقد أدّى ظهور الزراعة إلى إحداث تدهور تاريخيّ في الصحّة، حيث أصبح السكّان أقصر وأكثر عرضة للعديد من الأمراض. في حين أنّ ظهور النظام الغذائيّ الحديث لم يَحْدُثْ إلّا في القرنين التاسع عشر والعشرين، وذلك التغيّر أحدث تدهورًا صادمًا في الصحّة، بالضخامة نفسها، ما يزال أثره حاضرًا حتّى الآن. 

لنلق نظرةً، مثلًا، على مجموعة من الدراسات المميّزة الّتي نُشِرَت في العقد الأوّل من الألفيّة في مجلة «Journal of the Royal Society of Medicine»، والتي تناولت النظام الغذائيّ والصحّة عند بريطانيّي أواسط العصر الفيكتوريّ. وجدت هذه الدراسات أنّ الفكرة التقليديّة عن أنماط الأكل الفيكتوريّة -المتمثّلة بأيتام هزيلين يتوسّلون العصيدة- أبعد ما تكون عن الحقيقة؛ فالبريطانيّون الفقراء والفلّاحون الّذين عاشوا في خمسينيّات وستّينيّات القرن التاسع عشر، تمتّعوا، بحسب إحدى الدراسات، بنظام غذائيّ «أفضل بكثير من النظام الغذائيّ العامّ المستهلك اليوم، نظام يتقدّم بشكل ملحوظ على توصيات الصحّة العامّة المعاصرة». 

وجدت الدراسة أنّ النظام الغذائيّ الّذي كان سائدًا في أواسط العصر الفيكتوريّ، كان غنيًّا بالخضراوات، والفواكه، خاصّةً الكرز والتفّاح، ما بين ثماني إلى عشر حصص يوميّة، وأحماض أوميغا 3 الدهنيّة، والمكسّرات، والحبوب الكاملة واللحوم. وتلك اللحوم -بدورها- لم تأتِ من القِطَع الأوّليّة باهظة الثمن؛ بل بشكل أساسيّ من لحوم الأعضاء الغنيّة بالمغذّيات الدقيقة، والمقطّرات الدهنيّة والعظام. ورغم أنّ فقراء أواسط العصر الفيكتوريّ اختبروا الجوع أكثر بمرار ممّا اختبرناه نحن، فالطعام لم يكن متوفّرًا بشكل فوريّ على هيئة وجبات خفيفة (Snacks) مثلما هو اليوم، لكنّهم، بشكل شبه مؤكّد، على مستوى تجريديّ، قد أكلوا أكثر منّا: «نظرًا إلى مستويّات النشاط البدنيّ الذي مارسته الطبقات العاملة بشكل روتيني في أواسط العصر الفيكتوريّ، تراوحت متطلّبات السعرات الحراريّة لديها بين 150% إلى 200% من المتطلبات الغذائيّة اليوم (على انخفاضها اليوم بالمقارنة بأي حقبة تاريخية)». إلا أن النظام الغذائي في العصر الفكتوري لم يكن مثاليًّا، فجودة الطعام، خاصّة اللحوم، كانت منفّرة، لكنّه لم يكن بأيّ حالٍ من الأحوال مجاعة، كما نفكّر فيه عادة. 

أدّى الوصول إلى نظام غذائيّ أفضل إلى حيوات أكثر نشاطًا؛ فتقريبًا معظم العمّال البريطانيّين كانوا سيُصنَّفون نشيطين للغاية وفقًا لمعايير الخمول اليوم. كان بنّاؤو سكك الحديد يتربّعون على قمّة الأعمال البدنيّة الشاقّة، إذ كانوا قادرين «على استخراج عشرين طنًّا من الأرض يوميًّا من تحت أقدامهم إلى ما فوق رؤوسهم بشكل روتينيّ»، وهذا عمل يتطلّب قدرًا هائلًا من القوّة يمكن لعدد قليل من الناس اليوم مضاهاتها. كما أنّ الأنشطة الترفيهيّة، من الاعتناء بالحدائق وحتّى لعب كرة القدم، كانت أنشطة ملأى بالحيويّة أيضًا.

كذلك كانت حالات السرطان منخفضة بشكل صادم أيضًا؛ ففي عام 1869، كتب طبيب في مستشفى «تشيرنغ كروس» في لندن، واصفًاسرطان الرئة بأنّه «أحد أندر الأشكال من مرض نادر أصلًا؛ فلربّما تنقضي حياتك الدراسيّة دون أن تصادف حالة أخرى منه». حتّى عند حدوثها، كانت أمراض السرطان أقلّ تسارعًا في تطوّرها ممّا هي عليه اليوم؛ فقد اعتقد الطبيب جيمس باجيت أنّ النساء في المرحلة الثالثة أو الرابعة من سرطان الثدي قد يعشن لأربع سنواتٍ بعد تشخيصهن، وحتّى ثماني سنوات مع الجراحة، وتلك فترة أطول بكثير ممّا هو شائع اليوم. 

لكن، ورغم كلّ الفوائد الصحّيّة المدهشة للنظام الغذائيّ الّذي ساد أواسط العصر الفيكتوريّ، إلّا أنّه لا يضاهَى بالتحوّل الرئيسيّ الذي حدث في سبعينيّات وثمانينيّات القرن التاسع عشر والمتمثّل في الانخفاض الكبير في أسعار الطعام. إذ أتاحت التطوّرات التكنولوجيّة -من قبيل التبريد، والبواخر، والسكك الحديديّة، وتقنيات الطحن المتطوّرة- إضافة إلى سياسات التجارة الحرّة، ظهور أوّل نظام عالميّ حقيقيّ لإنتاج الأغذية وانتشارها. 

عَنَى ذلك، خارج بريطانيا، دمار الأنظمة القديمة الّتي كانت قائمة لعدّة قرون؛ فاقْتُلِعَتْ بشكل متسارع مساحات أحيائيّة كاملة، مثل البراري العشبيّة مترامية الأطراف في الولايات المتّحدة، الممتدّة من جبال الروكي حتّى نهر المسيسيبي؛ وفي الغرب الأمريكيّ، استُبْدِلَ رعي ثور البيسون التقليديّ بمزارع الماشية الواسعة، ومع رحيل هؤلاء الفاعلين المحلّيّين، كان من السهل انهيار الاقتصادات البيئيّة الّتي حافظت على المشهد الطبيعيّ لعدّة أجيال حتّى ذلك الحين. فيما شوّهت اقتصادات تربية المواشي الّتي حلّت محلّها، والّتي تميّزت بالأسلاك الشائكة المحيطة بها وبأنظمة الريّ الاصطناعيّة، بشكل عميق بيئة المنطقة لغاية خلق فوائض هائلة من اللحم للتصدير الخارجيّ

عليه، وبعد عام 1870، أُغْرِقَت بريطانيا باللحم والقمح من الولايات المتّحدة، وكذلك الأرجنتين، وأستراليا، ونيوزيلندا. في حين دخلت الزراعة البريطانيّة المحلّيّة، غير القادرة على المنافسة، في مرحلة كساد طويلة. في الأثناء، كان الطعام قد أصبح رخيصًا ووافرًا وفي متناول معظم البريطانيّين؛ فبين عامي 1877 و1889، انخفضت قيمة السلة الغذائيّة الأسبوعيّة الوطنيّة تقريبًا بنسبة 30%.

أدّت تداعيات هذه الحقبة إلى تغيير النظام الغذائيّ البريطانيّ؛ فالأطعمة الّتي كانت نادرًا ما تؤكل في الماضي، أصبح من السهل الحصول عليها في أيّ مكان؛ كذلك ارتفع منسوب استهلاك اللحم والقمح بوتيرة متسارعة، إلى جانب بعض «الرفاهيّات» الأخرى مثل الجبن، والزبدة، والحليب. وشَهِدَ استهلاك السكّر انفجارًا استثنائيًّا بشكل خاصّ، في حين كانت مزارع السكّر في جنوب شرق آسيا وجزر الكاريبيان تعمل على إشباع هذه الرغبة الجديدة. منذ عام 1820 وحتّى عام 1846، كان نصيب استهلاك الفرد من السكّر يقارب 18 رطلًا، لكن، بحلول عام 1901، كان قد نما خمسة أضعاف ليصل إلى 91 رطلًا، مع ظهور المربّى، والحليب المكثّف، والشاي المُحلّى، كنواقل أوّليّة للسكّر.

كانت تلك ولادة النظام الغذائيّ الجمعيّ الحديث؛ الذي تميز بنسبة عالية من الكربوهيدرات، والسكّر، والدهون عالية المعالجة، مع نقص في الكيميائيّات النباتيّة (الفيتوكيميكالز) والمغذّيات الدقيقة الّتي ميّزت النظم الغذائيّة التقليديّة. بالنسبة للبريطانيّين العاديّين، كان ذلك تحوّلًا دراماتيكيًّا في أنماط حياتهم، بدا من الخارج وكأنّه تحريريّ. 

لكن، حتّى مع ترحيب عوامّ البريطانيّين بهذا التحوّل، أدّى رُخْص الغذاء إلى تدهور كبير في الصحّة البدنيّة. مع نهاية سبعينيّات القرن التاسع عشر، كان النظام البريطانيّ الغذائيّ قد دخل في حالة ركود حادّة، حالة يمكن القول إنّه لم يتعاف منها حتّى اليوم. وقد فاقم تردّي الأطعمة، مثل مخلّفات الذبائح من الأعضاء وغيرها، من تفشّي نقص التغذية؛ فاستهلاك السكّر المتزايد وحده أحدث أضرارًا هائلة بأسنان الناس إلى درجة أنّهم أصبحوا غير قادرين على مضغ الأطعمة الصلبة. كان تسوّس الأسنان نادرًا في بريطانيا حتّى منتصف القرن التاسع عشر؛ لكنّه الآن أصبح في كلّ مكان. وباتت مشكلة شديدة الوضوح لدرجة أنّ زائرًا إلى مدينة شيفيلد في عام 1909 وجد أشخاصًا بـ«أفواه مترهّلة ولثّة بيضاء وبضع أسنان هنا وهناك». ومع بداية القرن العشرين، كان ثمّة تزايد حادّ في الأمراض التنكّسيّة المزمنةالّتي كانت في السابق نادرة الوجود، مثل السرطان والسكّريّ.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.