العرائش نيوز:
في تعليقه على باكورة إصدارات مركز خطوة للدراسات والأبحاث في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
الاصدار الخاص بالباحث الاستاذ “عبد الصمد المنصوري” بعنوان: الحركة الوطنية بمدينة العرائش 1930-1956_رصد أولي_
يؤكد الاستاذ عبد السلام التدلاوي تعقيبا على منحه شرف تقديم هذا البحث الثمين ، على ان هذا البحث فريد من نوعه يسلط الضوء على فترة تاريخية تكاد تكون الاضاءات التاريخية حولها نادرة ، وهو الامر الذي يتصدر له الباحث الشاب عبد الصمد المنصوري بكل شجاعة،
وهذا تعليق الاستاذ عبد السلام التدلاوي حول هذه الاضافة البحثية الهامة تغني المكتبة المغربية عامة ، وتعيد لمدينة العرائش ولو جزء يسير من حيزها التاريخي المنسي :
”
تقديم
وجدتني متابعا متحمسا لتفاصيل و مراحل إنجاز هذا البحث، لصاحبه الصديق الأديب، الباحث عبد الصمد المنصوري، منذ ما يقرب سنتين، لا لشيء ، إلا لأنه بحث كثير من ثناياه تذكرني بأحاديث والدي رحمه الله، حين كنت أجالسه و هو برفقة مجايلييه . أحاديث عن رجال الحركة الوطنية بمدينة العرائش في زمن ما قبل استقلال المغرب. كان يتردد على مسامعي و أنا طفل، أحداث أبطالها: بلمهدي، الخليع، الجباري…أما ما كان يشد انتباهي كل الانتباه، اسم الرجل الذي أحمل اسمه الثلاثي بالكامل: الحاج عبد السلام المفضل التدلاوي، جدي، أحد مؤسسي العمل السياسي الوطني بمدينة العرائش،و رئيس فرع حزب الاصلاح الوطني لما يزيد عن عقدين من الزمن، أكبر و أهم تنظيم سياسي في العرائش في فترة الحماية.
من خلال القراءة و التمعن في فصول هذا البحث الفريد من نوعه، الذي يؤرخ لفترة تكاد تكون الكتابات التاريخية حولها ناذرة، نستخلص دروسا و عبرا تهم قضايا جرت أحداثها في الماضي، تجعلنا ندرك بشكل أوضح بعض قضايا الحاضر المعاش في المدينة، و بالتالي استشراف المستقبل. ذلك لأن هذا البحث يستمد قوته من كونه يعرض معطيات تاريخية في تسلسل يجيب على تساؤلات أرقت بال المؤلف قبل و أثناء خوضه مغامرته البحثية، كل واحد من تلك التساؤلات يروم ملء بياض يهم الفترة التاريخية موضوع الدراسة، ليتم في نهاية المطاف وضع بين أيدي القارئ صورة قريبة من ماضي المدينة السياسي في فترة الحماية، صورة قد لا تكون مطابقة تماما للماضي، لكنها تقربنا منه بشكل كبير، و الأهم من هذا أنها تفتح المجال للباحثين في الموضوع لتتبع خيوط جديدة اتت بها هذه الدراسة، للتنقيب عن تفاصيل جديدة تجعل الصورة تتضح كل مرة أكثر.
أهم العبر المستقاة من خلال قراءة هذا البحث، أنه كانت للصحافة دور مركزي في تبلور و تدعيم عمل الحركة الوطنية. يذكر الوطني محمد بناني في مذكراته أنه كانت الصحف التي كان يجلبها و يوزعها الزعيم عبد السلام بنونة من بلدان المشرق العربي دورا حاسما في تكوين وعيه السياسي الوطني، الأمر الذي جعل محمد بناني يسعى إلى الانخراط في أولى التنظيمات السياسية الوطنية السرية بتطوان، و كذا تأسيس فرع لها في مدينة العرائش.
من أدوار الصحافة المحورية في دعم عمل الحركة الوطنية، أنها إلى جانب دورها التثقيفي، كانت واجهة للترافع عن قضايا ساكنة مدن و قرى المنطقة الخليفية، حيث يستعرض المؤلف مقالات نشرت على صفحات جريدتي الحرية و الأمة، الناطقتين باسم حزب الاصلاح الوطني، مظالم ساكنة العرائش و خميس الساحل و غيرها، بعض هذه المظالم عرف طريقه إلى الحل مباشرة بعد صدور المقالات.
إذا كان للصحافة دور بارز إبان تشكل الحركة الوطنية و بداية اشتغالها، فإن لأرشيف هذه الصحافة اليوم دور مهم يساعد على التأريخ لتلك الحقبة الزمنية، و خاصة لقضايا الحركة الوطنية. ما يؤكد هذا هو أن أهم المواد المصدرية التي اعتمد عليها الباحث، هو أرشيف جريدتي الحرية و الأمة، بالإضافة إلى أرشيفات بعض عائلات رواد الحركة الوطنية، التي لا تشكل إلا النزر اليسير من أرشيفات عائلية عديدة، ما زالت عصية على التحقيق العلمي، الأمر الذي يعسر من مهام الباحث و المؤرخ.
للتربية و التعليم دور أساس في عمل الحركة الوطنية لا يقل أهمية عن دور الصحافة. يبرز ذلك من خلال تتبع أطوار
و تسلسل وقائع دينامية الحركة الوطنية بمدينة العرائش و باقي مدن الشمال، حيث سنجد أن جيلا ثانيا سيبرز في صفوف حزب الاصلاح الوطني بالعرائش في بداية سنوات الخمسينيات من القرن الماضي، جيل أحمد التدلاوي، عبد الملك بلفقيه…بعد ان كانت اسماء عبد السلام التدلاوي، الخليع، المصباحي، بلمهدي….من تحمل المشعل سنوات الثلاثينيات. ذلك ان جيل الخمسينيات يعد من تلاميذ تجربة المدارس الحرة، التي عمل على تأسيسها بتطوان ثم بباقي مدن المنطقة الخليفية، عبد الخالق الطريس و المكي الناصري و غيرهما من رواد الحركة الوطنية.
نظرا لدور التعليم الوطني في نشر الفكر الحر و تربية النشء على قيم الحرية و الكرامة، استشعر المستعمر الإسباني خطورة هذا التعليم، فانزعج من الأمر بالرغم من علاقة التقارب النسبي التي نشأت بينه و بين قيادة حزب الإصلاح الوطني، الأمر الذي سيعبر عنه الزعيم عبد الخالق الطريس في أكثر من افتتاحية له على جريدة الحرية. إلا أن هذا الأخير سيتم منعه من تنظيم محاضرة عن موضوع التعليم في مدينة العرائش سنة ….. نظرا لما يكتسيه الموضوع من تهديد في العمق للوجود الاستعماري.
يسرد الكاتب بشكل متسلسل مراحل تشكل تنظيمات الحركة الوطنية، التي ستتنتهي بتأسيس حزب الاصلاح الوطني في المنطقة الخليفية، مبرزا في كل مرحلة دور العرائش و مكانها في هذا النسق التأسيسي، كما يسهب من خلال منهج وصفي في استعراض البنية التنظيمية لحزب الإصلاح الوطني بالعرائش، و كذا تنظيماته الموازية كما هي مذكورة في المادة المصدرية لهذا البحث، مع اقتصاد في الأحكام و حذر في التأويل. لعل لهذا الحذر دواع إبستيمولوجية محضة، لكن لهذا المنهج فائدته في تقديم الوقائع الخام. إذ يعطي مساحة للقارئ ليستشف منها ملامح الصراعات الحزبية داخل بيت حزب الإصلاح الوطني بالعرائش، و كذلك ملامحها من قوته التنظيمية و جماهيريته داخل المدينة.
يقدم لنا هذا البحث ملامحا عم يزيد عن ربع قرن من العمل السياسي الوطني في مدينة العرائش خلال فترة الحملية، و يسلط الضوء على العديد من المناطق العتمة في تاريخ المدينة، و بالتالي فهو بحث غني موحي، و مليء بالدلالات.”
عبد السلام التدلاوي
