الپاسخير: قرار القتل البطيء لروح العرائش وتراثها النهري

العرائش نيوز:

-عبد اللطيف القرشي

ينساب اللوكوس، شريان الحياة وشاهد التاريخ، حاملاً بين ضفافه ذكريات آلاف السنين. وعلى صفحته الهادئة، كان “الپاسخير” الذي ارتبط بتلك القوارب الخشبية البسيطة التي تربط مدينة العرائش بشاطئها الذهبي، رأس الرمل ليس مجرد وسيلة نقل، بل نبضاً يومياً ووجهة سياحية فريدة. قرار المنع الذي صدر العام الماضي واستمر هذا الصيف، ليس مجرد إيقاف لنشاط، بل هو طعنة في قلب تراث المدينة واقتصادها السياحي، في غياب بدائل تُذكر، وسط أسطول حافلات مهترئ يعرض حياة المصطافين للعذاب اليومي.

جذور ضاربة في عمق التاريخ: من ليكسوس إلى العرائش

لا يمكن فصل قصة الپاسخير عن قصة العرائش نفسها. منذ أن اختار الفينيقيون الضفة الشمالية لنهر اللوكوس لإقامة مقام للشمس على ربوة ليكسوس، كان عبور النهر ضرورة حياة. هل استخدم الفينيقيون قوارباً شبيهة ب”الباطيل” كما نعرفه اليوم؟ السجلات التاريخية والإشارات الأركيولوجية تُلمّح إلى ذلك، كحال أي حضارةٍ استوطنت ضفاف الأنهار، لكن المؤكد هو أن النهر كان طريقهم الحيوي. الرومان الذين عمروا ليكسوس وجعلوها مزدهرة، اعتمدوا حتماً على العبور النهري بين الضفتين لربط مرافقهم وحركة سكانهم. عبر القرون، منذ العصور الإسلامية الوسطى إلى فترة الاستعمار الإسباني وصولاً إلى المغرب المستقل، ظل “الپاسخير” وسيلة طبيعية، عملية ووديعة لربط حاضرة العرائش بشاطئ رأس الرمل. لنَقل أبناء الضفتين جيلاً بعد جيل: الفلاحون إلى حقولهم، الصيادون إلى مراكبهم، والأسرَ إلى نزهاتها. لقد تواصل عبر الزمن ليصبح جزءاً لا يتجزأ من جينات المدينة وجغرافيتها العاطفية، شاهدا حيا على ثلاثين قرنا من الحوار المتواصل بين ثالوث الإنسان والنهر والبحر. قد يقول قائل ها هي النوستالجيا مرة أخرى، ههه! . وليكن! فمن لا نوستالجيا له الزهايمر أولى بذاكرته الخربة.

أكثر من مجرد قارب: اقتصاد صغير جذاب وسياحة مستدامة تدفع ثمن القرار

لم يكن الپاسخير مجرد “مواصلات”. بل تجربة سياحية في حد ذاتها. الآلاف من المصطافين المغاربة، خصوصاً من مدن الداخل، كانوا يختارون العرائش لقضاء عطلتهم الصيفية، متشوقين لتجربة عبور النهر الساحر نحو الشاطئ الذهبي. لحظاتُ الانطلاق من سكاليرا الميناء القديم، عبورُ مياه اللوكوس الهادئة تحت أنظار حصن الفتح المجيد، المنظر البانورامي للمدينة من الماء، لمسة النسيم ورذاذ الماء، حركة القوارب صعودا ونزولا عند المرور بالقرب من سفينة صيد ساحلي، بساطة الرحلة ومتعتها… كلها عناصر جذب لا تعوضها حافلة مهترئة مكتظة. أهالي العرائش قبل غيرهم، كانوا يفضلون الپاسخير للوصول السريع والممتع إلى رأس الرمل، هرباً من زحمة الطريق واختناق مواقف السيارات المحدودة والمكتظة عند الشاطئ، والتي تتحول إلى كابوس يومي في الصيف. الأهم من ذلك، كان الپاسخير نموذجاً عملياً للنقل الإيكولوجي: نقل صامت، نظيف، يخفف الضغط المروري والبيئي على المدينة والشاطئ. إيقافه لم يقتل تجربة فريدة فقط، بل شل حركة سياحية حيوية وأثقل الشاطئ باختناق مروري.

عالمياً ووطنيا ايضا. العبّارات جزء من سحر المدن: لماذا العرائش الاستثناء؟

لو نظرت السلطات خارج حدودها، لوجدت نماذجَ عالميةً تُدرك قيمةَ مثل هذا الإرث وتعمل على صيانته ودعمه بل وتشجيعه وتطويره كرافد سياحي وثقافي. واكتفي هنا ببعض المشاهد الرائعة التي عشت تجربتها
فدويلة مالطا، ذلك الأرخبيل الصغير، جعلت من العبّارات التقليدية (Dgħajsa) بين فاليتا والعاصمة القديمة المدن الثلاث (The Three Cities) أيقونة سياحية ووسيلة نقل يومية أساسية. والأمر نفسه في مرسى شلوق حيث يتنافس الملاك والعاملون في تجميل قواربهم. وفي جزيرة كريت اليونانية باتت القوارب الخشبية الصغيرة التي تعبر ميناء خانيا القديم (Old Venetian Harbour) جزءاً لا يتخيل الميناء دونه. تُنظّم الرحلات بانتظام، وتُضفي جواً رومانسياً يجذب الآلاف من السياح. حتى في مدن أخرى كإسطنبول أو البندقية، تشكل القوارب بأصنافها المختلفة جزءاً حيوياً من نسيج المدينة وسحرها. ولم نذهب بعيدا؟ ألم تحافظ مدينة سلا على عبّاراتها النهرية (الفلوكة) عبر نهر أبي رقراق كرمز للتراث ووسيلة نقل سياحية وعملية؟ ألم تُحَوَّل عبّارات الصيادين التقليدية في أزمور على نهر أم الربيع إلى وسيلة جذب سياحي لعبور النهر؟ السؤال الذي يحرجنا جميعا: لماذا تُقتَل هذه التجربة التراثية والاقتصادية والسياحية في العرائش، بينما تُحول مدن أخرى تراثها النهري إلى قوة ناعمة ومحرك اقتصادي؟

قرار مجانب للصواب.. وذرائع واهية

لقد كان قرار المنع مفاجئا. والمثير للاستفهام هو الغموض الذي يلف الجهة التي أصدرته؟ الولاية؟ العمالة؟ البلدية؟ فهذه الجهة غير معروفة للعموم وأنا واحد من هذا العموم، مثلما لا نعرف الأساس القانوني الذي استند عليه القرار. الذرائع المتداولة (والتي لا أثر لها بشكل رسمي في حدود معلوماتي) تتحدث عن “سلامة الركاب”. لكن أين هي الدراسات والاحصائيات الدقيقة التي تثبت أن الپاسخير أكثر خطورة من البدائل الأخرى المتاحة؟! لو كان معيار المنع هو الحوادث المحتملة، فالمنطق في هذه الحالة يقتضي إذاً منع الحافلات التي يشهد الجميع بما في ذلك السلطات المحلية على تهالك أسطولها المكلف بنقل المصطافين، مما يعرض الأرواح لخطر حقيقي ومباشر. وكذلك منع السيارات الخاصة: المصدر الرئيسي للحوادث والاختناقات المرورية في منطقة الشاطئ. ولربما وجب منع كل وسيلة نقل لمجرد ارتباط حادثة من الحوادث بها. هذا التفكير الانتقائي غير المبرر يشير إلى أن “السلامة” ذريعة هشة تخفي وراءها أسباباً أخرى غير معلنة أو ربما إدارة غير رشيدة للأزمة. كما أن غياب الحوار المسبق مع المجتمع المدني وممثلي مهنيي الپاسخير، وعدم طرح بدائل مجدية قبل الإيقاف، يُعد إقصاءً لمبدأ المشاركة واتخاذ القرار المستنير.

الحل العقلاني: التنظيم لا الإلغاء..

إنّ العقلانية والمسؤولية تقتضيان ليس دفن النشاط، بل إنقاذه وتطويره. الإلغاء هو أسهل الحلول ولكنه أكثرها تدميراً. والبديل يكمن في تنظيم قطاع الپاسخير وهيكلته بشكل احترافي وآمن:
1. إعادة هيكلة جمعية المهنيين وملاك زوارق الپاسخير وأخضاعها للإشراف والمتابعة. (وهنا تبرز الحاجة الى شخصية تحظى باحترام الجميع مثلما كان الحال مع “با الشاوي”.
2. فرض شروط صارمة للعاملين وتدريب إلزامي على السلامة البحرية والإسعافات الأولية مع منح رخص مهنية.
3. تطبيق تأمين جماعي إلزامي لحماية الركاب والعاملين في حال أي طارئ.
4. تحديد مواصفات فنية للقوارب وتحديد سعة الركاب القصوى بوضوح (مثلاً 10-15 راكب) وفرض معايير السلامة
5. تنظيم التوقيت والمسالك من خلال تحديد أوقات العمل بدقة (مثلاً من 7 صباحاً حتى 8 مساءً) ومسارات محددة وآمنة للعبور.
6. إعادة بناء السكاليرا من الجهتين وفق معاييرجديدة . والفرصة متاحة الان مع الشركة المكلفة بتقوية الشاطئ الصخري من جهة عين شقة.

عود على بدء:
الپاسخير لم يكن مجرد خشب يطفو على الماء. لقد كان تراثاً حياً، شرياناً اقتصادياً وسياحياً، حلاً بيئياً ذكياً، وعلامة فارقة لهوية العرائش. قرار الإيقاف، بذرائعه غير المقنعة وغياب البديل الآمن، يشبه إطفاء منارة. إنه يطمس صفحة من تاريخ المدينة ويجهض فرصتها السياحية في وقت تحتاج فيه كل مدينة مغربية إلى تميزها. وأمام تهالك الحافلات البديلة وتجاهل المطالب المحلية، يبرز السؤال المُلِحّ: من المستفيد الحقيقي من موت الپاسخير؟ العرائش تستحق أكثر من قرارات فوقية غامضة تقطع أوصالها عن نهرها وشاطئها. حان وقت استعادة الپاسخير.. لكن هذه المرة، بشكل منظم، آمن، ومستدام، ليستمر شاهداً على عراقة العرائش بدل أن يكون ضحية لإهمالها.

سيذكر التاريخ ان حركة العبور توقفت بين ضفتي اللوكوس صيفين متتاليين بعد ما لا يقل عن ثلاثين قرنا من الاستمرارية!


شاهد أيضا
تعليقات
تعليق 1
  1. محمد أيوب يقول

    في الصميم:
    كلام في الصميم…واكثر ما شد انتباهي بالمقال هو مجموعة تلك الاقتراحات الايجابية والعملية جدا في نظري والتي تروم تنظيم نشاط القوارب عوض الغاء ذلك النشاط…الالغاء يبين بان المسؤولين(اقليميين او جهويين او مركزيين)لا زالوا يصرون على قتل النشاط السياحي بالعرائش:اقليما ومدينة…هم لا يعيرون اية قيمة للمواطن:الساكن والزائر لانهم غير معنيين بقضاء عطلتهم هنا بالوطن،بل يسارعون بالحجز شمالا او في آسيا وتركيا وبعض دول افريقيا النشيطة سياحيا…لا حياة لمن تنادي…وما أستغرب له صمت اهل الكهف للمجتمع المدني…هذا الصمت تحرك وعلا صوته حول تهيئة الشرفة الاطلسية…لكنه غاب تماما عن قضية الغاء نشاط القوارب…مهما كانت مبررات الالغاء فهي تبين عجز السلطة عن خلق ووضع تدابير لضبط نشاط هذه القوارب،وهذه التدابير من السهل جدا تطبيقها… ويبقى شاطئ العرائش هو هو على وضعيته كل سنة بينما نعاين تغييرات ايجابية تحدث سنويا في جل شواطئ الجهة من الحسيمة الى أصيلة مرورا بشفشاون وتطوان والمضيق/الفنيدق وطنجة/أصيلة لتبقى العرائش نقطة سوداء ربما تنتظر جودو الذي غاب كثيرا وربما قرر الابتعاد عن العرائش بصفة نهائية… شاطئ العرائش رائع وجميل ويمتد على مسافة طويلة من راس الرمل الى سيدي بوقصيبات على مشارف شواطئ جماعة الساحل الشمالي واصيلة،ومع ذلك تفتقر هذه المسافة الى اهم عناصر الجذب:وسائل التنقل والطرق المعبدة والتجهيزات والمرافق الاساسية…الخ…لهذا من المنطقي جدا ان يهرب سكان المدينة والاقليم في اتجاه شواطئ الجهة باصيلة وطنجة وتطوان وشفشاون والحسيمة وغيرها..هنيئا لمسؤولينا بهذا الاقليم على رؤيتهم وتدبيرهم،فقد افلحوا في استمرار قتل العرائش وتهميشها…اتذكر المرحوم بوسيف اول عامل على الافليم الذي صرح ذات اجتماع بمقر العمالة بانه يعتبر العرائش كاليفورنيا المغرب بسبب فااحتها طبعا…هل كان تصريحه ذاك سخرية؟لا اظن…العرائش اقليما ومدينة رائعة ،لكن شتان بين كاليفورنيا أمريكا وكاليفورنيا المغرب…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.