العرائش نيوز:
كأستاذ سابق بالكلية متعددة التخصصات بالعرائش لحوالي خمسة عشر عاما، عايشت عن قرب مسار هذه المؤسسة الفتية منذ نشأتها، ورافقت أجيالًا من طلبتها الوافدين من احياء العرائش و القصر الكبير و من مداشر الجماعات القروية السبعة عشر، وشهدت طموحاتها وتحدياتها الأولى.
و الحقيقة أنني آمنت أن لهذه الكلية مقومات التميز والإبداع وأنها مؤهلة لتكون نواة لقطب جامعي متكامل يعزز مكانة العرائش كمدينة للعلم والمعرفة جهويا و وطنيا.
إن غيرتي على هذه المدينة العريقة، بتاريخها الغني، وموقعها الاستراتيجي، ورصيدها البشري والثقافي، هي ما يدفعني اليوم لكتابة هذه السطور، لا بدافع الأسف الشخصي او الحسرة او الحسد اتجاه مدن اخرى، بل انطلاقًا من مسؤوليتي الأكاديمية والمدنية، لتنبيه الرأي العام إلى مفارقة مؤلمة: مدينة العرائش، رغم كل مؤهلاتها، تُقصى مرة أخرى من خريطة التوسع الجامعي الجهوي.
ففي اجتماع مجلس جامعة عبد المالك السعدي المنعقد يوم الإثنين 28 يوليوز الجاري، بالكلية متعددة التخصصات بالعرائش، تمت المصادقة على اقتراح إحداث مؤسسات جامعية جديدة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة تابعة لجامعة عبد المالك السعدي، وهي مبادرة محمودة تندرج في إطار توسيع العرض الجامعي وتحقيق العدالة المجالية في التعليم العالي.
وقد شملت هذه المبادرات وفق المعطيات المتوفرة:
المدرسة العليا للتكنولوجيا بالحسيمة
كليتا الاقتصاد والتدبير بطنجة وتطوان
المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالحسيمة
كليتا العلوم القانونية والسياسية بالحسيمة والقصر الكبير
شعبة طب الأسنان بكلية الطب بطنجة
هي اقتراحات تستحق التنويه، لما تحمله من آفاق واعدة، لكنها تُطرح معها علامات استفهام حقيقية: لماذا تم استثناء العرائش – المدينة التي احتضنت الاجتماع – من هذه الدينامية، رغم توفرها على كلية قائمة الذات على مساحة تفوق 30 هكتارًا، وموقع متميز وإمكانيات تؤهلها لاستقبال مؤسسات جامعية جديدة؟
مشروع لم يكتمل.. وقطار الفرص يفوتنا مجددًا
لا يمكن الحديث عن هذا الإقصاء او الإغفال دون استحضار مشاريع سابقة طُرحت لتقوية البنية الجامعية بالعرائش، أبرزها المشروع الذي اقترحه العميد “المؤسس”، الأستاذ بوشتى المومني، الرئيس الحالي للجامعة، لإنشاء قطب جامعي يضم المدرسة العليا للتكنولوجيا و حيا جامعيا ومركبًا رياضيًا.
غير أن هذا المشروع لم يكتب له التحقق وانتقلت المدرسة لاحقا إلى تطوان.
وفي سنة 2022، خلال ولاية العميد السابق “المطور” الأستاذ محمد لعربي كركب، والرئيس الحالي لجامعة ابن طفيل، برزت رؤية طموحة لإعادة هيكلة الكلية متعددة التخصصات وتقسيمها إلى مؤسسات مستقلة:
كلية العلوم التطبيقية
كلية الاقتصاد والتدبير
المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بالعرائش
كلية العلوم القانونية والسياسية
إلى جانب مشاريع مرافقة كحي جامعي و دار للضيافة ومركب رياضي. غير أن هذه المشاريع لم تخرج الى حيز الوجود، لأسباب يمكن تلخيصها فيما يلي: غياب رؤية استراتيجية واضحة لدى الجهات المسؤولة وضعف الترافع المحلي والجهوي أمام الوزارة الوصيةو الصراعات السياسوية بين العرائش والقصر الكبير، مما حوّل الملف من مشروع تنموي إلى موضوع تجاذب حزبي و تغليب الحسابات الضيقة على المصلحة العامة للطلبة والمدينة
بارقة أمل.. لكنها لا تكفي
نثمن القرار الأخير بالإبقاء على شعبة القانون العام والخاص بالكلية متعددة التخصصات بالعرائش، رغم إحداث كلية مستقلة للعلوم القانونية والسياسية بالقصر الكبير، وهو ما يعدّ مؤشرًا إيجابيًا على الحفاظ على جزء من هوية الكلية الأكاديمية.
غير أن هذه الخطوة تظل غير كافية، ولا تعوّض غياب رؤية شاملة ومندمجة لتطوير العرض الجامعي بالمدينة، بما يليق بمؤهلاتها وتطلعات ساكنتها.
دعوة جماعية للترافع والتجند
يتفق العقلاء على ان مسؤولية إنصاف العرائش في السياسات الجامعية الجهوية والوطنية ليست مسؤولية فردية، بل هي مسؤولية مشتركة. ومن هذا المنطلق، أوجه نداءً صادقًا إلى كل الفاعلين:
على الهيئات الأكاديمية أن تنخرط في الترافع بشكل جاد ومسؤول
على المنتخبين أن يضعوا مصلحة المدينة فوق الاعتبارات الحزبية
على المجتمع المدني أن يتحرك بهدوء واستقلالية
على الطلبة أن يُشاركوا في النقاش بكل حرية و مسؤولية ويدافعوا عن مطالبهم بروح مسؤولة، بعيدًا عن الاستقطابات كيفما كان نوعها.
لقد علمتني تجربتي المتواضعة بالكلية متعددة التخصصات بالعرائش واحتكاكي اليومي بالطلبة والأطر والأساتذة وانفتاحي على شركاء المؤسسة طيلة السنوات التي قضيتها هناك، أن العرائش لا تفتقر إلى الكفاءات، بل إلى الاعتراف، وإلى ترافع مؤسس ومنهجي يُوصل صوتها للمسؤولين على المستويين الجهوي والوطني.
العرائش تستحق أكثر
العرائش مدينة واعدة، تستحق أن تنال موقعها العادل في السياسات العمومية للتعليم العالي، من خلال تخطيط استراتيجي منصف، يُخرج مشاريعها من دائرة النسيان إلى دائرة التنفيذ.
لقد آن الأوان لتقييم تجربة الكلية متعددة التخصصات بالعرائش و ما راكمته خلال السنوات الماضية و فتح نقاش محلي وجهوي مسؤول، يُسهم في إدراج العرائش ضمن أولويات خريطة التعليم العالي، ويمنحها المكانة التي تستحقها في أفق 2030.
أحمد وزاني
أستاذ جامعي سابق بالكلية متعددة التخصصات بالعرائش و غيور على مدينة العرائش
