“رفض التوقيع لاسباب مجهولة” ما مدى حجية المحاضر المذيلة بالعبارة اعلاه و صحتها شكلا؟

العرائش نيوز:

ذ\ عبد الحميد العباس

ان قانون المسطرة الجنائية , كقانون اجرائي مؤطر بالعديد من المبادئ الضامنة لتوفير ظروف المحاكمة العادلة, تحقيقا لغايتين اساسيتين , وهما احترام حقوق الافراد و حرياتهم من جهة و الحفاظ على المصلحة العامة و النظام العام من جهة اخرى.

حيث تم تعزيز اليات مكافحة الجريمة بفعل تعقد اساليبها, وتوظيفها وسائل تكنولوجية متطورة , وذلك ضمانا للنجاعة و الفعالية في انجاز الابحاث , فتم تخويل النيابة العامة و قضاء التحقيق , وسائل لاثبات الجرائم تساير التطور الحاصل في تنامي ظاهرة الجريمة و امتداد انشطة شبكاتها عبر حدود الدول.

وهكذا يمكن للنيابة العامة اذا اقتضت ذلك ضرورة البحث التمهيدي ان تسحب جواز سفر المشتبه فيه و تغلق الحدود في وجهه , كما خولت المسطرة التقاط المكالمات و الاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد و تسجيلها و حجزها, وهذا الاجراء اعتبره المشرع استثنائيا و وضعه بيد قاضي التحقيق متى كانت القضية معروضة عليه , و اذا اقتضت ضرورة البحث في قضية غير معروضة على التحقيق , يمكن للوكيل العام للملك ان يحصل على اذن من الرئيس الاول للقيام بهذا الاجراء في الجرائم شديدة الخطورة.

اما على مستوى حقوق الافراد , فقد اكدت المسطرة الجنائية المبدئ العالمي في ان كل شخص مشتبه فيه او متابع يفترض براءته ما دامت ادانته غير مقررة بمقتضى حكم نهائي, على اعتبار ان البراءة هي الاصل و ان الشك يفسر لصالح المتهم.

وقد احاط القانون هاته القرينة بعدة تدابير لتعزيزها و تقويتها , كاعتبار الاعتقال الاحتياطي تدبير استثنائي , وتحسين ظروف الحراسة النظرية و شمولها باجراءات مراقبة من طرف السلطة القضائية, وحق الموضوع في اشعار عائلته و الاتصال بمحامي وحق الدفاع في تقديم ملاحظات كتابية اثناء فترة تمديد الحراسة النظرية , وكذا منع تصوير شخص معتقل او يحمل اصفادا , وضرورة استعانة ضابط الشرطة القضائية بمترجم اذا كان المستمع اليه يتحدث لغة او لهجة لا يحسنها الضابط.

وقد عمل المشرع على تاكيد هذه الضمانات امام النيابة العامة من خلال المادة 47 , و ترسيخها امام قضاء التحقيق و قضاء الحكم.

وقد اسند المشرع للشرطة القضائية مهام التثبت من وقوع الجرائم و جمع الادلة عنها و البحث عن مرتكبيها , ويجب ان يحرروا محاضر بما انجزوه من عمليات , على ان يكون المحضر طبقا للشكليات المتطلبة توخيا للدقة و سلامة الاجراءات , تحت طائلة البطلان حسب ما رتبته المادة 751 من ق م ج , التي تعتبر ان كل اجراء يامر به هذا القانون لم يثبت انجازه على الوجه القانوني يعد كانه لم ينجز.

و المحضر حسب المادة 24 من نفس القانون , هو تلك الوثيقة المكتوبة التي يحررها ضابط الشرطة القضائية اثناء ممارسة مهامه و يضمنها ما عاينه و ما تلقاه من تصريحات او ما قام به من عمليات ترجع لاختصاصه , وحددت نفس المادة الشكليات و البيانات التي يجب ان ينجز في اطارها , لتعلق الامر بالنظام العام المسطري, كما هو الشان بالنسبة الى الاشارة لرفض التوقيع او الابصام او عدم استطاعته مع بيان اسباب ذلك.

ولابد من الاشار ة اللازمة الى ان قانون المسطرة الجنائية , ذي طبيعة حقوقية , وان ما تم فرضه من شكليات و بيانات لانجاز المحاضر , تعزيزا منه لقرينة البراءة و حرصا على سلامة الاجراءات , تحت طائلة ما رتبه في المادة 289 , حيث لا يعتد بالمحاضر و التقارير التي ينجزها ضباط و اعوان الشرطة القضائية الا اذا كانت صحيحة في الشكل, وذلك بالنظر الى ما تمثله من قوة ثبوتية يوثق بمضمنها في الجنح و المخالفات و يستانس بها كمعلومات في المادة الجنائية , وهي بذلك تؤدي دورها القانوني في نظام العدالة الجنائية.

و استنادا الى ما سبق فان عدم اشارة المحاضر الى رفض التوقيع و بيان اسباب ذلك , وفق ما نصت عليه الفقرة الاخيرة من المادة 24 من ق م ج و اكدته الفقرة الثانية من المادة 67 منه , من الاسباب الموجبة للدفع ببطلانها , مع ما يترتب عن ذلك من استبعادها , و الاعتماد على ما تلقته النيابة العامة من تصريحات و ما راج امام هيئة الحكم من مناقشات, لتشكيل قناعة المحكمة , انتصارا للحقيقة و العدالة.

غير انه يمكن ان نطرح تساؤلا حول اشكالية تضمين بعض المحاضر , عبارة رفض التوقيع لاسباب مجهولة , فهل يعتبر ذلك مخالفا لمقتضيات المواد 24 و 289 و 67 من ق م ج , على اعتبار عدم اجابتها لذكر سبب واضح و جدي و موضوعي لعدم التوقيع؟

ولا بد من التوضيح الواجب, من جانب الموضوعية و الانصاف الى التاكيد على جدية العديد من ضباط الشرطة القضائية في انجاز المحاضر طبقا لما هو منصوص عليه قانونا , و ان بعض المشتبه فيهم و نظرا لسوابقهم القضائية , خصوصا من ينشط في مسك و حيازة و ترويج الممنوعات , يتعمدون بدون سبب عدم توقيع محاضرهم , وتوظيف الامر في الابتزاز و الضغط على بعض الميسورين و تهديدهم باقحام اسمائهم من اجل الحصول على مقابل مادي , في اطار مصرحي المساطر المرجعية

وتبقى مؤسسة النيابة العامة بما تملكه من سلطة الاشراف و المراقبة على اعمال ضباط الشرطة القضائية , العمل على الحيلولة دون ان يتحول الامر الى ظاهرة في المحاضر, بتعليمات حازمة , ضمانا للتطبيق السليم للقانون طبقا لارادة المشرع في توفير ظروف المحاكمة العادلة , التي تسهر السلطة القضائية على تقريرها و تاكيد سيادة القانون و ضمان المشروعية على الواقع , اعتبارا لكون القضاة هم الحراس الطبيعيون لحقوق الفرد , و الساهرون على مصلحة المجتمع و التي من ضمنها الاشعاع الحقوقي على المستوى الدولي.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.