العرائش نيوز:
ذ/ عبد الحميد العباس
إن النقاش حول صناعة القرار بالمغرب و قنواته المؤسساتية هو نقاش منعش للفكر السياسي المغربي ومستفز للمختبئ لدى الطبقة السياسية , اما بفعل عوامل التدجين او الجبن او الكسل و اللامبالاة , او تعمد الركون الى منطقة الراحة و الانتظارية
نقاش مثمر , لانه يزيل و ينزع الشرعية عن ادعاءات بعض الجهات و التنظيمات المتطرفة, التي تمنح نفسها حق اثارة و استغلال موضوع يشكل عصب مواضيع طبيعة النظام السياسي و صناعة القرار, و الفاعلين الرئيسيين فيه ,و موازين القوى المؤثرة في البنية الاقتصادية و السياسية ببلادنا
اجتهدت في عنوان مساهمتي المتواضعة , بالنظام السياسي , لتعدد الفاعلين و ان كانت المؤسسة الملكية ابرزهم , اقتناعا بفكرة المرحوم خالد الجامعي الذي صرح في احد حواراته , بضرورة تجاوز مفهوم المخزن او الدولة العميقة , و تسمية الامور بمسمياتها في اشارة الى اعلى سلطة بالبلاد وهو الملك
وهو راي في نظري الشخصي يتماشى مع التطورات و التغييرات التي عرفها الحقل السياسي منذ سنة 1998 , على اعتبار انتفاء الظروف الموضوعية للتعبير بهذا الوصف , حيث كانت المعارضة السابقة في خطابها و ممارستها السياسية تتجنب ذكر الملك و تعوضه بالمخزن , وهي ممارسة بمثابة قواعد و اعراف كانت مؤطرة للصراع السياسي , حفاظا على شعرة معاوية مع القصر
تلك الشعرة هي التي ساهمت في خلق و الحفاظ على قنوات التواصل و الحوار , كان ابرزها المشاورات التي كانت تخص قضية الوحدة الترابية للمملكة , مما ولد احتراما و انطباعا ايجابيا بين الطرفين , جعل المرحوم الحسن الثاني يصف المرحوم عبد الرحيم بوعبيد على اثر وفاته برجل الدولة الذي فقده المغرب , وهو نفس الامر الذي حذا بالاستاذ المرحوم عبد الرحمان اليوسفي يوافق على العرض السياسي المقدم من القصر لتشكيل حكومة التناوب التوافقي , بضمانات ملكية لانجاح تجربة اشراك المعارضة برئاسة الاتحاد الاشتراكي في التسيير الحكومي , بعدما جربت تدبير الشان العام المحلي انطلاقا من سنة 1975 اي المؤتمر الاستثنائي و تبني استراتيجية النضال الديمقراطي , الذي كان من نتائجه اصدار ظهير 1976 كعربون حسن نية من الدولة في اشراك النخب الاتحادية في التدبير العمومي المحلي
و بالدخول الى صلب الموضوع لابد من طرح التساؤلات التالية
هل يعرف المغرب ازمة سياسية ؟ و في حالة الايجاب ما هي طبيعتها , هل هي ظرفية ام بنيوية ؟
وما هي عوامل و اسباب اختلال التوازن في النسق السياسي الوطني؟ هل التفسيرات و التحليلات التي تقر بهيمنة المؤسسة الملكية على الفعل السياسي, ناتج عن الطبيعة المحافظة و التقليدانية التي تتحكم فيها عقلية المخزن الغير قابلة للتطور ؟ ام ان هذا الراي فيه مبالغة و تحامل على مؤسسة مازال اصحابه ينظر الى مغرب اليوم بنظارات الامس كما يصفه راي اخر ؟ الا يمكن ان نعتبر بان دستور 2011 قد منح مساحات كبيرة للمشاركة السياسية و بالتالي المساهمة في اتخاذ القرار بالبلاد , و ان الضعف ذاتي و ان الطبيعة ضد الفراغ , وان قوة المؤسسة الملكية في تحمل مسؤوليتها كاملة ؟ و هل القول بدور الادارة في ما تعرفه التنظيمات السياسية من ضعف و اهتراء و عجز عن الابداع يستقيم اقناعا ام هو خطاب لتبرير التهرب و التملص من مسؤولية قالها جلالة الملك صراحة بالتنبيه إلى تحمل المسؤولية و عدم الإختباء وراء الملك؟ وهل يمكن تصور تأسيس حقيقي للديمقراطية بدون دينقراطيين ؟ وباستعمال أدوات البحث و التشخيص العلمي الا يمكن الإقرار بأن المؤسسة الملكية عرفت تطورا و تطورا يعكس تصوراً حداثيا لطريقة ممارسة السلطة بشكل فعال و ناجع؟ ثم هل يمكن التسليم بالرأي القائل بنفوذ أجهزة الدولة الإستخباراتية إلى درجة صناعة القرار و تنفيذه بشكل يوحي وكان المغرب لا يعرف بناءاً مؤسساتيا يكبح تغول و طغيان مركز للقوى على قرار الدولة ؟ أليس تعدد مؤسسات الدولة السيادية ، من مؤسسة الجيش و استخباراته ( المكتب الخامس و الثاني والثالث) ومؤسسة الدرك الملكي و استخباراته ، و الإدارة العامة للدراسات و المستندات ، و الإدارة العامة لمراقبة التراب الوطني ، و الإدارة العامة للأمن الوطني و استعلاماتها العامة و الإدارة العامة للشئون الداخلية التابعة لوزارة الداخلية الخ ، يعزز من التنافس الإيجابي بين مؤسسات بما يضمن تعدد مصادر المعلومات المساعدة في اتخاذ القرار ؟وفي الاخير هل اصبح الوعي مكتملا بحتمية الرقي بالممارسة و الفعل السياسي و تحمل جميع المؤسسات لالتزاماتها الدستورية , تفعيلا للاختيار الديمقراطي و تعزيزا للاستقرار الاجتماعي في افق التاسيس الفعلي للانتقال الديمقراطي وفق التطور و التقدم الطبيعي للمجتمع و مؤسساته الوسيطية؟


رأي:
من خلال المقال يبدو ان الكاتب المحترم تغاضى عن الانتقادات والملاحظات التي وجهها كثير من خبراء القانون الدستوري ببلدنا ومن الخارج أيضا…ومن بين هذه الانتقادات 1-ان الوثيقة الدستورية تم اقرارها بصيغة هي اقرب لكونها منحة،اي دستور ممنوح…2-ونسبة التصويت لفائدته افقدته قوة التاثير والمصداقية كما يراها كثير من الدارسين،فقد ذكرتنا بالنسب التي كانت بعض الانظمة الشمولية تعتمدها…3-الحملة التي نظمتها الدولة ووظفت فيها حتى منابر المساجد رأى فيها الكثيرون احتكارا واضحا لفضاء عمومي تم حرمان مناهضي الوثيقة من استعمال نفس الوسيلة وهذا أخل بميزان القوة والتوازن بين:”نعم”و”لا”…4-اغفل الكاتب المحترم آراء بعض المحللين الذين يرون بان القرار ببلدنا ليس بيد مؤسسات منتخب أعضاؤها او معينين،ومن ابرز هؤلاء وطنيا المرحومين خالد الجامعي والمهدي المنجرة ومعهما الاستاذ نجيب اقصبي وبوبكر الجامعي وغيرهم…5-أيضا تجدر الاشارة الى تصريحات بنكيران عندما كان رئيسا للحكومة حيث كان يقول بانه لا يحكم بل ينفذ فقط…6-ثم إن حكوماتنا تقول دائما بانها تنفذ البرامج الملكية وهذا ما يجعل انتقاد تلك البرامج يتخذ نهجا خجولا واحيانا منعدما باستثناءات قليلة…7-ان جعل ملك في الواجهة أسلوب يلجأ اليه كل مسؤول يرغب في منح تدبيره المصداقية، وهذا يناقض شعار ربط المسؤلية بالمحاسبة ويفرغ المؤسسات من محتواها…8-واقع الحال هو انه ان سألت اي مواطن عن اي مؤسسة من مؤسساتنا تحظى بثقته أمثر فسيكون الجواب هو:الملك…وهذا واقع لا غبار عليه،لان الملك اثبت تواجده الفعلي وقربه الى الشعب ومواكبة تطلعات الوطن والمواطنين…9-والسؤال هو:إذا كان الأمر كذلك فما حاجتتا الى مؤسسات تستهلك الملايير من المال العام من دون أثر ايجابي على أرض الواقع؟