العرائش نيوز: ذ توفيق البقالي
امتدت على مدى خمسة أيام ( 22—26 يوليوز 2019) بفضاء قاعة أبينيدا بالعرائش عروض مهرجان ليكسا للمسرح في دورته ال13 .
افتتحت الدورة بكلمة اللجنة المنظمة التي رحبت بالحضور والضيوف وجمهور المهرجان مذكرة بالظروف العامة والخاصة التي رافقت التحضير لهذه الدورة في ظل وجود جملة من الاكراهات والصعوبات التي وجب تذليلها بغية تقديم طبق فرجوي شهي وضمان شروط النجاح للمهرجان .كما تميزت بالتكريم الذي حضيت به بعض الأسماء الوازنة كالفنان مسعود بوحسين نقيب الفنانين المغاربة والكاتب والمبدع عبد المالك البزار . كما عرفت الدورة في يومها الأول حضورا متميزا للفنان المسرحي ورائد تجربة المسرح الفردي بالمغرب عبد الحق الزروالي الذي أدلى بشهادة متميزة في حق مكرم الدورة الفنان بوحسين ذكرت بالمقاومة التي ما فتئ يبديها الفنانون المسرحيون من أجل إعلاء الكلمة المسرحية الهادفة وإعادة الاعتبار للممارسة الفنية والمهنية الراقية في ظل زحف المد الجارف لأشكال تعبيرية أخرى أصبحت تحظى بحيز أكبر من المتابعة والمشاهدة والاهتمام.
وبالعودة للعروض المقدمة خلال ليالي المهرجان، وعلى تنوع المقاربات والمرجعيات الفكرية للفرق المسرحية المشاركة فيه، فان الاهتمام الذي حضيت به أثبت بما لا يدع المجال للشك الشغف والحب الذي يوليه جمهور مدينة العرائش للمسرح. وعلى اختلاف القيمة الفنية لكل عرض وتباين مستوى الكتابة والتميز في التشخيص والإبداع في توظيف تقنيات الديكور والإخراج المسرحي، فان جل الفرق المسرحية أكسبت جمعية ليكسا للمسرح رهان نجاح المهرجان الذي أصبح يراكم كل سنة تميزا تلو الآخر على المستويين الكمي والنوعي يجعلان من هذه المناسبة السنوية فرصة للعديد من المهتمين كي يجددوا وفاءهم وشغفهم بأب الفنون.
وبعيدا عن كل تقييم أكاديمي للعروض المسرحية التي تناوبت على الركح خلال الليالي الخمس من عمر المهرجان، فانه لا ضير من تسجيل بعض الملاحظات- لعلها تكون مفيدة – لمن يهمه أمر المسرح أولا واستمرارية المهرجان ثانيا في نسق تصاعدي بغية تحقيق النشوة الفرجوية والوصول إلىLa Catharsis عن طريق التفاعل مع الجمهور عبر النقاش الهادئ والهادف.
رؤى بسيطة:
تنوعت التيمات المتناولة خلال العروض المقدمة ما بين البعدين الاجتماعي والقانوني لقضية المرأة في قالب مزج بين نظرة المجتمع والتمثلات الاجتماعية التي لا زالت تنتقص من قيمتها وتشيؤها بل وتعتبرها كائنا ناقص عقل ودين. وهكذا، فقد أسهبت مسرحية “رحمة” لفرقة مسرح إيسيل في تقديم قضية تزويج القاصرات والعنف الجنسي ضمن طبق فرجوي عرف استحسان الجمهور تم خلاله اعتماد مقاربة قانونية وقيمية في مواجهة التمثلات القروسطية السائدة بخصوص وضع المرأة في المجتمع، وذلك من أجل الدفاع عن نموذج حداثي يضع نصف المجتمع إلى جانب الرجل في نسق تكاملي وموحد هدفه بناء مجتمع بدون فوارق قائمة على الجنس أو النوع الاجتماعي؛ مجتمع متكافئ تسود فيه العدالة الاجتماعية، ومرجعيته النصوص القانونية ذات الصلة وغايته بناء القيم الحداثية وإقامة دولة المؤسسات.
على نهج مختلف، سارت فرقة مسرح منتدى أنفاس للثقافة والفن في عرض بعنوان “تغريبة” لتتناول موضوع الحلم بالشهرة والنجومية من خلال مواجهة نموذجين متناقضين. النموذج الأول لفتاة حالمة بالشهرة ومستعدة لبذل كل طاقاتها ومقوماتها، مسترخصة في ذلك سمعتها وشرفها من أجل أن تعتلي سلالم المجد والشهرة على الرغم من افتقارها لمقومات الإبداع وشروط المشروع الفني الناجح. على الجانب الآخر، تقف فتاة أخرى وهي تغوص في عوالم الكتابة والإبداع الأدبي دون أن تجد لها موطأ قدم في عالم مادي لا يعترف بطاقاتها وموهبتها؛ وتظهر محبطة مغالية في الخيال والحلم والبعد عن الواقع الذي يحتجز أحلامها ويحاكمها باستمرار عبر الإمعان في تجريدها من حقها في التفرد والاختلاف. جرت هذه المواجهة بين النموذجين في استلهام جميل وذكي لنظرية صراع الأضداد للمبدع المسرحي بيتر بروك الذي يجعل من مقابلة الشيء بنقيضه وسيلة للتعبير عن المعنى والكشف عن تناقضات الواقع والأشخاص. كل هذه المقومات استدعت أن يتحول الجمهور من وضعية المتلقي السلبي إلى ذوات مفكرة ومتفاعلة؛ مما جعل منه شريكا أساسيا وفاعلا في العرض ومدعو للتموقع واتخاذ الموقف عوض الالتزام بالسلبية أو الحيادية .
في سياق الاحتفال المرأة والانتصار لجسدها ، جعلت فرقة المشهد المسرحي في عرض بعنوان “هذيان” قضية الحريات الفردية والحق في ممارسة الاختلاف طرحا فريدا ومتميزا من خلال الاعتماد على نموذج المناضلة اليسارية التي تعبر عن رفضها للمشروع المجتمعي المكرس لدونية المرأة وتطالب بالتمتع بحقوقها كاملة إسوة بالرجل الذي يمعن في التنكر لقيمتها ومكانتها داخل المجتمع، بل ويضطهدها بضروب مختلفة من التعسف والاعتقال والتشهير. فمن جهة، ساهمت شخصية الجلاد المغرق في اسكيزوفرينيته في جعل قضايا الرأي والحق في الحرية و الاختلاف استمرارا للطابوهات والممنوعات العصية على الفهم والتشفير وترهن مستقبل الأفراد والجماعات بأيدي كائنات مجردة من كل معاني الإنسانية والقيم المجتمعية. ومن جهة ثانية، فقضية النضال السياسي والحقوقي هاته أماطت اللثام عن الكثير من أسرار الأقبية والمخافر التي لا زالت تستباح فيها أجساد المناضلين والفاعلين الذين يقدمون حياتهم قرابين من أجل أن ينعم الآخرون بوجود آمن وحياة هنيئة.
في الليلة الرابعة من ليالي المهرجان، كان الجمهور على موعد مع مسرحية “قنبولة” لفرقة الشهاب المسرحية التي عادت بالمتلقي إلى زمن الحرب العالمية الثانية ومشاركة الجنود المغاربة إلى جانب الجيوش الفرنسية إبان اجتياح الجحافل النازية لأراضيها. ففي قالب كوميدي ساخر، تساءل الجنود الأربعة على اختلاف رتبهم العسكرية وتمثلاتهم للحرب حول مشروعية وجدوائية المشاركة المغربية من عدمها متسائلين عن الدواعي الخفية لتنكر فرنسا للالتزام الذي قطعته سلطات الحماية بالمغرب آنذاك للسلطان محمد الخامس بتمكين المغرب من استقلاله فور القضاء على المحتل الألماني وجلاءه عن الأراضي الفرنسية مع نهاية الحرب. كما أثار العرض المسرحي الظروف الاجتماعية الصعبة التي يعيشها الجنود المغاربة الذين حاربوا إلى جانب فرنسا في الحرب العالمية الثانية.
في العرض الختامي، قدمت فرقة ستيلكوم مسرحية بعنوان “لمبروك”. تدور أحداث العرض حول مجموعة من الشباب الذين يتناوبون على أخذ الكلمة على الركح إما فرديا أو على شكل ثنائيات أو بشكل جماعي من أجل التعبير عن ما يختلج دواخلهم وآمالهم المنكسرة في وطن يتنكر لقدراتهم ويدفعهم قسرا للبحث عن بدائل أخرى. وهكذا، فكل الأصوات ظهرت تواقة للهجرة وركوب المجهول من أجل معانقة الحلم بالثروة والذهب والسعادة على الضفة الأخرى من المتوسط. فترى الأفق اليومي للشخصيات المسرحية وهو يضيق، فاسحا المجال لحلم الهجرة وتحقيق حياة أفضل. هذا وعلى الرغم من طغيان البعد الفرجوي الاستعراضي، مع الحضور اللافت للآلات الموسيقية التقليدية طيلة العرض، إلا أن ذلك لم يكن ليحجب الغصة والغبن الذي تكابده كل شخصية على حدة من عدم إمكانية بناء مستقبل آمن وظروف حياتية كريمة تكفل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية للجميع.
ملاحظات عامة:
1- لوحظ تباين على مستوى الكتابة المسرحية للعروض المشاركة بين من اختار العربية الفصحى كأداة تعبيرية مثل مسرحية “هذيان” التي اعتمدت لغة راقية أريد من خلالها إعادة الاعتبار للغة الضاد، ولو أن ذلك كان على حساب نسبة التلقي لدى الجمهور حين فضل البعض مغادرة القاعة. أما اللغة الدارجة والعامية فقد حضرت بشكل لافت في جل العروض مكرسة بذلك مكانتها كأداة تعبيرية لا محيد عنها ضمن الفسيفساء اللغوي للمجتمع المغربي.
2- لوحظ فقر على مستوى بعض النصوص المسرحية التي لم تكن في قيمة الممثلين المشاركين (عبد الله ديدان- نجوم الزهرة – فريد الركراكي) وأهمية المواضيع التي يطرحها العمل (الهجرة – اليأس – الإحباط) . فقد لوحظ أن أعضاء الفرقة المسرحية المشاركة بنص “لمبروك” لم يحققوا إشباعهم وكان في جعبتهم الشيء الكثير على الرغم من محدودية النص وعجزه عن ملامسة التيمات المطروحة.
3- لوحظ أن أعضاء فرقة مسرح إيسيل وخصوصا (فضيلة بنموسى- محمد الأثير- بنعيسى الجيراري- فريد الركراكي) تجاوزوا النص المسرحي في عرض “رحمة” وأضافوا إليه شحنات إضافية وأبدعوا في التفوق على النص بحضورهم القوي الذي أكد المسيرة الاحترافية لكل منهم.
4- لوحظ أن بعض النصوص نجحت في تكسير الطابوهات والممنوعات عبر إثارتها لمواضيع حساسة لا زالت تشكل عقدة لدى العديد من أفراد المجتمع، بل وحتى الطبقة المثقفة منه كالحرية الجنسية( مسرحية “هذيان”) والجرأة الأدبية ( مسرحية “تغريبة”) والعلاقات مع فرنسا ( مسرحية “قنبولة”).
5- لوحظ أن كل/جل النصوص المسرحية اعتمدت نظرة استشرافية قائمة على ضرورة إعادة قراءة الواقع (بماضيه وحاضره) من أجل فهم عميق ومتمعن للمستقبل بالاعتماد على النقد والتجاوز للتجارب السابقة.
ملاحظات خاصة:
