العرائش نيوز:
دراسة تحليلية مُحدَّثة — حول الحكامة، المشاريع المهيكلة، ميثاق المقاولات الصغرى والمتوسطة، وآفاق التنمية الترابية بإقليم العرائش
ذ. مروان بل
يشكّل مشروع قانون المالية لسنة 2026 منعطفاً حاسماً في مقاربة التنمية الترابية بالمغرب، حيث انتقلت السياسات العمومية من منطق الصرف إلى منطق النتائج. فالقانون الجديد يعتمد على شروط مضبوطة للاستفادة من الدعم، وتقييم قائم على مؤشرات الأداء كخلق فرص الشغل، وإنتاج القيمة المضافة المحلية، واحترام المعايير البيئية والاجتماعية.
في إقليم العرائش ومدينة القصر الكبير، تعكس المشاريع المهيكلة الكبرى — مثل أگروبول اللوكوس، ومناطق الأنشطة الاقتصادية، ومشاريع الطرق والتطهير، وإعادة تأهيل موقع ليكسوس الأثري، إلى جانب بعض المبادرات الاجتماعية، فرصة حقيقية لتسريع التنمية الاقتصادية. غير أن نجاح هذه المشاريع يبقى رهيناً بـ حوكمة مندمجة، وآليات صارمة للتتبع والتقييم، ومواكبة فعالة لما بعد التمويل.
1. الإطار الإستراتيجي
تنسجم الرؤية الملكية السامية ومقتضيات قانون المالية لسنة 2026 حول هدف جوهري يتمثل في تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وتحويل النفقات العمومية إلى نتائج قابلة للقياس. كما جاء في الميثاق الوطني للاستثمار الذي يخص المقاولات الصغرى والمتوسطة لتدعيم هذا المسار، من خلال تحديد معايير دقيقة للأهلية ومؤشرات كمية للتتبع وآليات صرف مشروطة بالأداء.
وبالتالي، أصبح لزاماً على الفاعلين المحليين، من مراكز الاستثمار الجهوية والجماعات الترابية إلى وحدات تدبير المشاريع (PMU) على إرساء منظومة للتتبع والمحاسبة على النتائج.
2. مؤشرات وسياق محلي
عدد سكان إقليم العرائش: حوالي 510,000 نسمة حسب معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى (2024).
أگروبول اللوكوس: كلفة التهيئة الأولية 457 مليون درهم، واستثمار إجمالي مرتقب يناهز 3.5 مليار درهم، مع إمكانية خلق حوالي 7,500 منصب شغل مباشر وغير مباشر.
الشق الأول: يغطي مساحة 50 هكتاراً من أصل 100 إلى 150 هكتاراً مبرمجة حسب المراحل.
هذه الأرقام تؤكد أن العرائش أصبحت قطباً صاعداً في التنمية الفلاحية والصناعية بالجهة الشمالية.
المشاريع المهيكلة بإقليم العرائش
أگروبول اللوكوس (زوادة – العوامرة)
يتقدم هذا المشروع بوتيرة ثابتة، غير أن عدة عراقيل ما زالت قائمة، نذكر منها تأخر ربط الشبكات الثانوية بالماء والكهرباء، غياب منظومة تبريد وتخزين متكاملة، ونقصا لمختبرات مراقبة الجودة وكذا بطء في تسويق المنتجات. كما أن غياب عقود واضحة بين المنتجين والمصنعين، ودون شهادات مطابقة، ستظل القدرة التصديرية محدودة.
البنيات الطرقية والهيدروليكية
عرفت مشاريع فك العزلة وتزويد المناطق القروية بالماء تقدماً ملموساً، لكنها تعاني من تعدد المتدخلين وتداخل الاختصاصات، لذلك يُوصى بوضع مخطط موحد للبرمجة والتمويل مع تخصيص موارد دائمة للصيانة. كما أن أشغال محطة التطهير الرئيسية وصلت مراحلها الأخيرة، غير أن تشغيلها الكامل رهين باستكمال الشبكات الثانوية وتسوية الملفات العقارية.
تثمين الموقع الأثري ليكسوس
يمتلك الموقع الأثري ليكسوس إمكانيات سياحية وثقافية كبيرة. لكن ضعف الولوجية، وغياب الخدمات والمرافق التفسيرية، يحول دون تحقيق أثر اقتصادي ملموس. فالحل يكمن في وضع مخطط تنمية سياحية مدمجة يشمل البنيات التحتية والتكوين المهني الثقافي.
البرامج الاجتماعية والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية (INDH)
على الرغم من تعدد المشاريع الاجتماعية، إلا أن غياب الربط مع سلاسل الإنتاج المحلية يجعل أثرها الاقتصادي محدوداً. فمن المهم اعتماد منهجية التكامل بين البرامج الاجتماعية والمشاريع الاقتصادية لضمان الاستدامة وخلق فرص الشغل.
القصر الكبير: المشاريع الاقتصادية ودور الجامعة الجديدة
مناطق الأنشطة والمنطقة الصناعية
تتواصل أشغال منطقة الأنشطة الاقتصادية بقصر بجير، إلى جانب المنطقة الصناعية الجديدة. لكن تسويق القطع وضعف التمويل البنكي للمقاولات الصغيرة والمتوسطة ما زالا من أبرز التحديات. مما يحد من الأثر الاجتماعي والاقتصادي لهاته المشاريع.
الكلية ال
متعددة التخصصات
تمّ افتتاح الكلية متعددة التخصصات بالقصر الكبير سنة 2025 بعد انتهاء أشغال البناء على مساحة تقارب 5,218 متر مربع وبميزانية إجمالية بلغت 28.9 مليون درهم. ويُعدّ هذا المشروع أحد أهم ركائز التنمية البشرية في الإقليم، إذ يسعى إلى ربط التكوين الأكاديمي بالاحتياجات الاقتصادية المحلية. لكن لتعزيز أثرها، يجب تجاوز إكراهات النقل والمواصلات بين الجامعة وأقطاب الإنتاج، وتوفير خدمات نقل منتظمة للطلبة والعمال، وتشجيع الشراكات بين الجامعة والمقاولات للتكوين والتشغيل.
5. ميثاق المقاولات الصغرى والمتوسطة 2025: معطيات رقمية
يحث الميثاق الجديد على شروط ومعايير أساسية منها :
حجم الاستثمار المؤهل الذي يجب أن يكون بين 1 و50 مليون درهم. كما أن المساهمة الذاتية لحامل المشروع يجب أن تصل 10% على الأقل من كلفة المشروع وأن يكون رقم المعاملات بين 1 و200 مليون درهم. كما أن الميثاق الجديد يتيح فرصة الحصول على منحة إجمالية تصل 30% من كلفة المشروع (منح ترابية، تشغيلية، وقطاعية).
جدير بالذكر أن صرف المنح يتم على مرحلتين (50% بعد إنجاز نصف المشروع و50% بعد الإتمام)، كما أن المنحة التشغيلية تُصرف بناءً على عقود تشغيل مصرح بها لدى CNSS لمدة تفوق 18 شهراً. أما المراقبة المحلية فأوكلت إلى المراكز الجهوية للاستثمار التي ستتولى التحقق من شروط الأهلية، وحساب المبلغ المؤهل للحصول على الحوافز ومبلغ الحوافز، وإعداد مشاريع الاتفاقيات لتقديمها إلى اللجنة الإقليمية الموحدة للاستثمار للموافقة عليها، وصرف الحوافز الممنوحة للمستثمر. أما عن الأثر المحلي المرتقب، فسيساهم هذا الميثاق في تحفيز الاستثمارات المتوسطة الحجم (1–50 مليون درهم)، وتشجيع المقاولات الناشئة، وخلق نسيج إنتاجي محلي متكامل يواكب التحول الاقتصادي للإقليمين.
6. الإستراتيجية الترابية الجديدة: البرنامج المندمج للتنمية الترابية (PDTI) والمراكز القروية الصاعدة (CREM)
يخصّص مشروع قانون المالية لسنة 2026 غلافاً مالياً غير مسبوق يقدّر بـ 5 مليارات درهم لـ البرنامج المندمج للتنمية الترابية (PDTI)، و2.8 مليار درهم لفائدة 36 مركزاً قروياً صاعداً (CREM) كنماذج تجريبية على الصعيد الوطني. تشكل هذه الخطوة تحولاً في المقاربة التنموية نحو التركيز على المجال الترابي ولامركزية القرار الاستثماري وربط المسؤولية بالمحاسبة المحلية.
أهداف البرنامج المندمج للتنمية الترابية (PDTI)
يهدف هذا البرنامج إلى ضمان الانسجام بين المخططات القطاعية والمشاريع الترابية عبر تنسيق الاستثمارات العمومية والخاصة داخل كل إقليم، تثمين الموارد المحلية (الفلاحية، الحرفية، الطبيعية والبشرية) وكذا خلق منظومات اقتصادية محلية حول المدن المتوسطة والصغرى.
أما بالنسبة لإقليم العرائش، فالبرنامج لا يقل أهمية عن الأخرى لكن يتيح فرصة لتعزيز التكامل بين مدن الإقليم والجماعات القروية المجاورة من خلال تحديد أقطاب تخصص ترابية (الصناعات الغذائية، اللوجستيك، السياحة المستدامة)، تقوية سلاسل القيمة الجهوية المرتبطة بأگروبول اللوكوس واعتماد برمجة متعددة السنوات بمؤشرات دقيقة (فرص شغل، دخل، خدمات).
المراكز القروية الصاعدة (CREM)
تمثل هذه المراكز الذراع التنفيذي للبرنامج المندمج، وتهدف إلى تحويل المراكز القروية ذات الإمكانات العالية إلى أقطاب اقتصادية واجتماعية محلية. وفي هذا السياق سيتم تجهيز 36 مركزاً نموذجياً بالبنيات الأساسية الضرورية، ومكاتب دعم للمقاولات الصغيرة القروية، وبرامج تكوين وتشغيل. في منطقة اللوكوس، يمكن أن تستفيد جماعات مثل العوامرة، سواكن، ريسانة الشمالية من هذه المبادرة، من خلال إحداث مراكز خدمات فلاحية محلية، تكوين الشباب والنساء في ريادة الأعمال القروية، ورقمنة قنوات التسويق والإنتاج. كما يكمن التحدي الرئيسي في تنسيق الجهود بين الدولة والجماعات والقطاع الخاص، وضمان قدرة الاستيعاب المحلي للتمويلات. غير أن هذا البرنامج يشكل فرصة حقيقية لتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز الطبقة المتوسطة القروية، وتحقيق اندماج متكامل بين العالمين الحضري والقروي في إطار تنمية شاملة ومستدامة.
خلاصة لما تم ذكره، وجب التأكيد على أن المشاريع المنجزة والمرحلة المقبلة تفرض انتقالاً حقيقياً من منطق افتتاح المشاريع إلى منطق قياس أثرها. فميثاق الاستثمار الجديد، والبرنامج المندمج للتنمية الترابية، ومبادرة المراكز القروية الصاعدة، تمنح الإقليمين فرصة غير مسبوقة لتقليص الفوارق وتعزيز الاندماج الاقتصادي؛ غير أن هذه الفرصة ستظل محدودة ما لم تُدعم بحكامة صارمة وقدرة مستمرة على التنسيق والتتبع. فالتحديات الرئيسية ليست في نقص المشاريع، بل في ضمان نجاعتها كالقدرة على تسريع تنفيذها، تجاوز تعقيدات التدبير المحلي، تحسين جاهزية البنيات التحتية، وربط الاستثمار بالتشغيل الفعلي. كما يبقى الرهان الأكبر في تحقيق انسجام بين المشاريع القائمة والمشاريع المستقبلية لتشكيل منظومة اقتصادية مترابطة لا مجرد أوراش معزولة.
إن نجاح الإقليم سيُقاس بمدى قدرته على تحويل هذه البرامج الوطنية الكبرى إلى نتائج ملموسة، وإرساء ثقافة للمساءلة والشفافية تجعل الاستثمار أداة للتغيير وليس مجرد إعلان سياسي، لكنه يتطلب إرادة تنفيذية واضحة، وتنسيقاً محكماً بين الدولة والجماعات والقطاع الخاص لضمان تنمية عادلة ومستدامة واعتمادا واضحا على منطق النتائج لا إعلانات واهية وخاوية الوفاض.

