العرائش نيوز:
بقلم الأستاذ إبراهيم الحداد
محام بهيئة طنجة
مرة أخرى أثارت واقعة وفاة الشاب عمر الذي كان موضوعا رهن الحراسة النظرية بمقر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية الكثير من الجدل، خصوصا بعد بلاغ الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء الذي أشار الى أن نتائج التشريح الطبي لجثة الهالك أبانت أن تعدد الإصابات التي لحقت به تتوافق مع وضعية إلقائه بجسده من نافذة المكتب الكائن بالطابق الرابع بمقر الفرقة الوطنية، وأنه بينما كان الضابط المكلف بالبحث يهم بتنفيذ تعليمات النيابة العامة الرامية إلى إخضاعه لتدبير الحراسة النظرية وتسجيل الإجراءات المذكورة بالسجل المعد لهذا الغرض تظاهر الشخص المعني بالوقوف وتوجه مباشرة إلى نافذة جانبية تطل على الفضاء الداخلي للبناية وأدلى بمقدمة جسده في اتجاه الخارج ورمى بجسده من النافذة، وأن الوفاة ناتجة عن مضاعفات جراء الإصابة برضوض عديدة مع كسور متعددة على مستوى الجمجمة وعظام الوجه والأضلاع والفخذ مع وجود نزيف سحائي، وأن تعدد الإصابات التي لحقت بالهالك تتوافق مع وضعية إلقائه بجسده من النافذة.
أي أن البلاغ، وقبل انتهاء التحقيقات، حسم في واقعة قفز الشاب من نافذة الطابق الرابع، وحسم كذلك في كون الإصابات والرضوض والكسور التي أصيب بها وكانت سببا في وفاته ناتجة عن سقوطه من الطابق الرابع.
وتجدر الإشارة هنا أنه لئن كان هذا البلاغ يجد سنده القانوني في المادة 15 من قانون المسطرة الجنائية التي خولت للنيابة العامة استثناء خرق سرية البحث واطلاع الرأي العام على مستجدات بعض القضايا، فإن حساسية الموضوع بالنظر الى الأطراف المتداخلة فيه تفرض إثارة ملاحظات جوهرية على هذا البلاغ، سواء ما يتعلق بالقيود التي فرضتها المادة 15 المشار اليها، أو مدى احترام النيابة العامة للمبدأ الدستوري المتعلق بالمساواة أمام القانون، خصوصا أمام التجارب المريرة التي تلت بلاغات متسرعة سواء للنيابة العامة أو للإدارة العامة للأمن الوطني في أحداث سابقة.
1. الضوابط القانونية لخرق سرية البحث عن طريق بلاغات النيابة العامة:
نصت المادة 15 من قانون المسطرة الجنائية على أن كل شخص يساهم في اجراء المسطرة ملزم بالحفاظ على سرية البحث والتحقيق، غير أنه يجوز للنيابة العامة عند الاقتضاء اطلاع الرأي العام على القضية والإجراءات المتخذة فيها ومستجداتها ومآلها دون تقييم الاتهامات الموجهة الى الأشخاص المشتبه فيهم والمتهمين.
وعليه، فإن الشرط الجوهري الذي وضعه المشرع للسماح للنيابة العامة بنشر بلاغات قبل انتهاء التحقيقات هو عدم تقييم الاتهامات، وبالرجوع الى بلاغ السيد الوكيل العام، نجد أن الحسم في واقعة القفز من النافذة والحسم في أن سبب الوفاة ناتج عن مضاعفات جراء الإصابة برضوض عديدة مع كسور متعددة على مستوى الجمجمة وعظام الوجه والأضلاع والفخذ، وأن تعدد الإصابات التي لحقت بالهالك تتوافق مع وضعية إلقاء الشخص المعني بجسده من النافذة، قد يعتبر تقييما مسبقا للأسباب قبل استكمال التحقيق، خاصة في ظل نفي العائلة لذلك.
ولعل ما يميز هذا الملف هو خصوصية أطرافه، فالأمر لا يتعلق بوفاة شاب كان في شقة سكنية أو في مكان عمومي، وإنما بشخص كان بضيافة جهاز أمني، وأسرته تشكك في ظروف وملابسات الوفاة، ولنا تجارب سابقة في هذا المجال أظهرت أن البلاغات الصادرة لم تكن موفقة، وجانبت الحقيقة، ونستشهد هنا بواقعتين:
الأولى: واقعة المرحوم ياسين الشبلي الذي توفي شهر أكتوبر سنة 2022 أثناء اخضاعه لتدابير الحراسة النظرية بمخفر الشرطة بالمنطقة الإقليمية للأمن بابن جرير، حيث أصدر الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بمراكش بلاغ جاء فيه أنه قد تم الاستماع إلى جميع عناصر الشرطة الذين عملوا على إيقاف الهالك وكذا وضعه بالغرفة الأمنية المخصصة للحراسة النظرية، بالإضافة إلى المشرفين على مراقبتها، وتم الاستماع لستة أشخاص تزامن وجودهم مع تواجد الهالك رهن تدبير الحراسة النظرية، وتمت مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة، بالإضافة إلى تسجيلات الكاميرا داخل الغرفة الأمنية التي كان يتواجد بها، فتبين أن الهالك كان في حالة هستيرية نتيجة حالة السكر المتقدمة التي كان عليها وأبدى مقاومة عنيفة أثناء إيقافه، وقام أحيانا بضرب الحائط والباب الحديدي برجله وصدره، وأن وفاة الهالك لم تكن ناتجة عن ظروف إيقافه واقتياده لمركز الشرطة ولا نتيجة الصفعات التي تعرض لها من قبل عناصر الشرطة المذكورين، وإنما نتيجة الرضوض التي تعرض لها إثر إيذائه لنفسه وسقوطه المتكرر على الأرضية الصلبة للغرفة الأمنية نتيجة الحالة الهستيرية التي كان عليها.
وبعد سنوات، ومن خلال عرض المحكمة لأشرطة الفيديو المسجلة بالكاميرات الصدرية لرجال الشرطة الذين أوقفوه، وكذا الأشرطة المسجلة بمقر المنطقة الإقليمية للشرطة ببنجرير تبين أن المرحوم الشلبي تركت يداه مصفدتان للخلف لمدة تفوق ست ساعات تقيأ خلالها أكثر من مرة، وظل يتمرغ فوق قيئه من شدة الألم الذي كان يشعر به، وأنه خضع لحصص تعذيب من خلاله تصليبه في وضعية وقوف على شكل T وهو يتضور ويصرخ من شدة الألم، كما تلقى ضربة قوية على مؤخرة رأسه وعلى مستوى فخذيه من الخلف رغم أنه مصلب اليدين لا يقوى على المقاومة أو الحركة، إلى أن انهار بشكل نهائي.
الثانية: تعود الى سنة 2019 حيث أقدم شرطي على إطلاق النار من خلال سلاحه الوظيفي على شاب وفتاة بمدينة الدار البيضاء، فسارعت المديرية العامة للأمن الوطني الى اصدار بلاغ أوضحت من خلاله، أن المعطيات الأولية للبحث تشير إلى تدخل مفتش شرطة ممتاز من أجل توقيف أربعة أشخاص في حالة سكر، وهم فتاتان وشابان، يشتبه في تورطهم في أنشطة إجرامية وحيازة أحدهم لسلاح أبيض، وذلك قبل أن تتم مواجهته بمقاومة عنيفة من قبلهم، اضطر على إثرها إلى استعمال سلاحه الوظيفي وأطلق رصاصتين أصابتا شابا وفتاة من بين المشتبه فيهم بشكل قاتل.
ومباشرة بعد ذلك نشر مقطع فيديو كشف الحقيقة وخلق صدمة كبرى لدى الرأي العام الوطني، خاصة وأنه أظهر الشابة تقتل بطريقة مرعبة، وهي ملقاة على الأرض، وبدون أي مقاومة، في صورة توحي الى أن مفتش الشرطة ارتكب تجاوزات خطيرة ونفذ إعداما خارج دائرة القانون، بسلاحه الوظيفي، في حق شخصين.
وعليه وجب الاستفادة من هذه الأحداث، وتجنب التسرع في تقييم الوقائع والأحداث، وتبني روايات بعينها عقب أحداث مؤسفة قد يكون أحد أطرافها من القوات أو السلطات العمومية.
2. المساواة أمام القانون:
نص الفصل 6 من الدستور على أن الجميع، أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمام القانون، أين أن الدستور المغربي ساوى بين المديرية العامة للأمن الوطني، أو الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بشكل خاص، وما بين والدة ووالد المرحوم الشاب عمر، إلا أنه من خلال الرجوع الى بلاغ السيد الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، لا نلمس هذه المساواة بشكل مطلق، لكون البيان اعتمد على رواية الأجهزة الأمنية فقط، دون أي إشارة الى شكوك ذوي حقوق الهالك، وهو ما قد يسيء الى هذا المبدأ الدستوري، والى صورة المغرب، ويبقى الرهان على القضاء لفك لغز هذه القضية وكشف الحقيقة كاملة أمام الرأي العام.
