العرائش نيوز :
ذ. مروان بل
يبدو الرقم الرسمي للتضخم في المغرب اليوم مطمئناً في ظاهره. فالمعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تؤكد أن معدل التضخم السنوي أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات الصدمة التضخمية، وأن مؤشر الأسعار عند الاستهلاك لم يعد يرتفع بالوتيرة نفسها كما حدث في السنتين 2022 و2023. غير أن هذه القراءة الإحصائية تخفي واقعاً معيشياً مختلفاً، حيث يشعر المواطن بأن كلفة الحياة اليومية لا تزال مرتفعة وأن القدرة الشرائية تتراجع تدريجياً. هذه المفارقة لا تعكس خللاً في الأرقام، بل اختلافاً بين ما يقيسه التضخم فعلياً وما يعيشه المستهلك في حياته اليومية.
أول عنصر يفسر هذا الوضع هو ما يسميه الاقتصاديون “أثر القاعدة”. فقد عرف المغرب موجة تضخم غذائي قوية خلال 2022 و2023، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية بأكثر من 11% ثم 12,5% على التوالي، قبل أن تتباطأ إلى أقل من 1% سنة 2024. هذا التباطؤ لا يعني أن الأسعار انخفضت، بل يعني فقط أنها توقفت عن الارتفاع بسرعة. فإذا كان سعر منتج ما قد انتقل من 10 دراهم إلى 13 درهماً خلال سنتين، فإن تسجيل تضخم ضعيف بعد ذلك لا يعيد السعر إلى 10 دراهم، بل يثبته عند مستوى مرتفع. لذلك تبدو الأرقام الرسمية منخفضة بينما يظل مستوى الأسعار مرتفعاً في الواقع.
هذا المنطق يظهر بوضوح في سوق المواد الغذائية، التي تشكل قلب إنفاق الأسر المغربية. فالغذاء يمثل أكثر من ثلث ميزانية الأسرة، ويصل أحياناً إلى ما يفوق 40% لدى الفئات الهشة. وعندما ترتفع هذه الفئة تحديداً، يصبح أثرها فورياً على الإحساس بالمعيشة. وقد كانت اللحوم مثالاً بارزاً خلال السنوات الأخيرة، إذ انتقل سعر الكيلوغرام في فترات عديدة من نحو 70 أو 80 درهماً إلى مستويات قاربت 120 أو 130 درهماً، أي بزيادة تقارب 50 درهماً في بعض الأسواق. وبالنسبة للأسرة التي تستهلك عدة كيلوغرامات شهرياً، فإن هذا الفارق يتحول إلى عبء مباشر على ميزانيتها.
الأمثلة لا تتوقف عند اللحوم. فزيت الزيتون، الذي يعد مادة أساسية في المطبخ المغربي، عرف بدوره ارتفاعاً ملحوظاً نتيجة تراجع الإنتاج والجفاف، حيث انتقل سعر اللتر في بعض المناطق من مستويات تقارب 50 درهماً إلى ما يفوق 100 درهم قبل أن تسجل انخفاضا ملحوظا هاته السنة. كما شهدت بعض الخضر الموسمية ارتفاعات متكررة، خصوصاً الطماطم والبصل والبطاطس، وهي منتجات يستهلكها المواطن يومياً. هذه الزيادات المتفرقة تخلق إحساساً عاماً بأن الأسعار ترتفع باستمرار حتى عندما يظهر التضخم منخفضاً في الإحصاءات.
العامل الثالث يتعلق بطبيعة الأسواق وآليات انتقال الأسعار. ففي العديد من الحالات، تنخفض تكاليف الإنتاج أو النقل دون أن ينعكس ذلك بسرعة على الأسعار النهائية. هذه الظاهرة، المعروفة بصلابة الأسعار، تجعل الزيادات تنتقل بسرعة إلى المستهلك بينما تتأخر الانخفاضات أو لا تحدث. كما أن تعدد الوسطاء في بعض سلاسل التوزيع يساهم في تضخيم الفارق بين سعر المنتج عند المصدر وسعره عند المستهلك، وهو ما يعزز الشعور بأن الأسعار مرتفعة بشكل غير مبرر.
إلى جانب الأسعار، يظل عنصر الدخل محورياً في تفسير تراجع القدرة الشرائية. فالتقرير السنوي للمرصد المغربي للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة يشير إلى أن الأجر الوسيط في المغرب لا يتجاوز حوالي 3173 درهماً، وأن نسبة كبيرة من الأجراء تتمركز حول الحد الأدنى للأجور (3046 درهما)، بينما أكثر من 70% منهم يتقاضون أقل من 4000 درهم شهرياً. في المقابل، ورغم ارتفاع الكتلة الأجرية الإجمالية، فإن ذلك يعود أساساً إلى زيادة عدد المصرح بهم وليس إلى زيادات ملموسة في الأجور الفردية. وفي الأخير تبقى النتيجة واضحة: حين ترتفع الأسعار بشكل تراكمي بينما تبقى الدخول شبه مستقرة، يتآكل مستوى المعيشة تدريجيا.
هذا الوضع يقود إلى الخلاصة الأساسية التي تفسر المفارقة فالتضخم مؤشر لسرعة تغير الأسعار وليس لمستواها. قد يكون التضخم ضعيفاً لأن الأسعار لم تعد ترتفع بسرعة، لكن ذلك لا يعني أن الأسعار منخفضة أو مريحة. وبالنسبة للمواطن، فإن ما يهم هو كم يدفع فعلياً مقابل غذائه وتنقله وسكنه، وليس معدل تغير الأسعار في الإحصاءات. فإذا كان دخل الأسرة لم يرتفع بما يكفي لمواكبة الزيادات السابقة، فإن الشعور بتراجع القدرة الشرائية يصبح أمراً طبيعيا.
في النهاية، يعيش المغرب مرحلة يمكن وصفها بمرحلة ما بعد الصدمة التضخمية. فمن جهة تؤكد الأرقام الرسمية استقراراً في وتيرة الارتفاع، لكن الواقع الاجتماعي يعكس بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة، خاصة في المنتجات الغذائية. وبين تضخم منخفض على الورق وقدرة شرائية متراجعة في
