العرائش نيوز:
فتحت عنوان “النهر الغاضب” يوثق محمد أخريف و محمد العسري كيف أن نماء مدينة القصر الكبير ارتبط منذ القدم بنهر لوكوس، فهو الذي منحها الحياة ومكنها من أسباب البقاء والاستمرار. ويسجل النص هذا التلازم بين المدينة والنهر، حيث تتقاطع نعمة الماء مع قسوته.
حول فيضانات القصر الكبير، يذكر الكتاب أنه لما كانت فيضانات الأنهار ظاهرة طبيعية، فإن مدينة القصر الكبير، بحكم وجودها في سهل منخفض، فإنها كثيرا ما تعرضت لمثل هذه الفيضانات. ومن أقدم النصوص التي تعرضت لهذه الظاهرة، ما حدثنا به الحسن الوزان المعروف بـ “ليون الإفريقي” في القرن السادس عشر الميلادي، في كتابه ” وصف إفريقيا ” ، حيث أشار إلى أنه يمر بجوار سور القصرلنهر “لوكوس” الذي يفيض أحيانا حتى يدخل الماء من باب المدينة.
ويضيف المصدر أن الأسعارفي هذه الفترة, كلها أصبحت مرتفعة جدا وخصوصا ما يؤكل، وبلغ القمح في هذا العام ريالا والذرة خمسة ريال ونصف واللحم زوج بساسيط وأكثر.
وجاء في كتاب “Alcazarquivir القصر الكبير 1950” ما ملخصه أن “المدينة كانت تحتوي على 7 أحياء تقلصت إلى اثنين بسبب الفيضانات. ففي سنة 1544 عرفت المدينة فيضانا مهولا وعواصف أدت إلى تحطيم أجزاء من سور القصر، وأثناءها كانت المدينة تتحول إلى بندقية المغرب”.
ويوثق “العلامة أحمد بن عبد السلام بن الطاهر الحراق، والذي يعتبر من أهم العلماء المغرب في أواخر القرن 19 وبداية القرن 20 والملقب بالفقيه السلطاني، فيضان 20 مارس 1901 حيث يقول”:
“ومما وقع في هذا العام من المصائب أنه نزل مطر عظيم من السماء مع كثرة الرياح حتى تهدمت الديار وسقطت السقف والحوانيت المتلاشية والفنادق والأشجار ووقعت الزلازل وغرقت المواشي بالسيل بواد لكوس في قبيلة الخلوط من البقر والغنم والبهائم وذهبت الخيام بأهلها ليلا ونهارا وحاط بهم الوادي والمروج وخرج خلق عظيم بواد رقادة قرب حلق مرسى العرائش وفدت مطامير الزرع من القمح والشعير وغير ذلك وبقي الوادي في مدينة القصر ثلاثة أيام سائحا في وسط المدينة وأهلها متحصنون بالغرف والديار العالية ومنهم من قر إلى أطراف المدينة ودخل عليهم، واد لكوس من جهة الحدادين ومولاي علي أبي غالب لأن الرياح ردته إلى المدينة، ومن جهة واد الجليد وسيدي بوحمد والحاصل أنه أحاط بالقصر من جميع الجهات إلا من جهة المرس فإنه عال على الوادي دخولا ولكن قد وصل له والمسجد جامع السعيدة”.
وفي مذكرة المرحوم أحمد بن الحمار الكنوني، جد الشاعر محمد الخمار الكنوني، تعثر على وصف دقيق للغلاء الذي نجم عن فيضان سنة 1915 فيقول، كما جاء في المرجع المشار إليه ضمن منشورات الجمعية، إن آثار الفيضان لم تقتصر على الخراب العمراني، بل انسحبت على معيش الناس وأثمنة قوتهم، في صورة تؤكد ما سجله النص في مواضع متعددة من تلازم السيل والغلاء.
“وفي سنة 1941 اصطيد سمك البوري وسط المدينة قرب سيدي بو أحمد (شارع محمد الخامس حاليا) وأخذ تلك الأسماك باشا شفشاون الوافي البقالي موثقا هذا الأخذ كتابة”.
و”أحدثت فيضانات 1949 أضرارا بالغة في المنتجات الفلاحية التي كانت مخزنة إضافة إلى الأمتعة والوثائق”.
كما جاء في الكتاب أن “آخر الفيضانات القوية التي شاهدناها كانت سنة 1963. فلقد أهلكت الحرث والنسل وقضت على الأخضر واليابس، تلاشت فيها القنوات وتحطمت فيها الطرق، وهدمت الدور.. وخلفت 471 عائلة بدون مأوى. كما شهدت سنة 1977 فيضانا آخر لكنه كان أقل حدة”.
ويسلط الضوء الكتاب على حجم المعاناة التي عاشها السكان، حيث لم تكن الخسائر مادية فحسب، بل مست حياة الناس اليومية وأمنهم الاجتماعي.
ونظرا لما عاناه سكان القصر الكبير جراء هذه الفيضانات، أصبحت الحاجة ملحة إلى بناء سد على نهر لوكوس. “وهو المطلب الذي تقدم به المرحوم محمد بوخلفة الذي شغل منصب رئيس المجلس البلدي في سنة 1963 إلى الجهات المسؤولة فتمت الاستجابة له”.
“وفي سنة 1974 دشن المغفور له الحسن الثاني سد وادي المخازن ليضع حدا لهذه الفيضانات”.
وبين النهر والمدينة حكاية مستمرة، سنواصل استعادتها في حلقة من “من ذاكرة القصر الكبير”.
