الاضطرابات العقلية بين ضمان الحقوق وحماية المجتمع

العرائش نيوز:

بقلم الأستاذ إبراهيم الحداد
محام بهيئة طنجة
شهدت مدينة العرائش ارتفاعا في عدد المختلين العقليين الوافدين عليها بشكل ملفت في الآونة الأخير، وتصاعدت التغطيات الإعلامية وتفاعلات النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي حول التهديدات الحقيقية التي تشكلها هذه الفئة على عموم المواطنين، علاوة على بعض الاعتداءات التي وقعت فعلا ببعض الفضاءات العمومية، مما خلق استياء كبيرا لدى عموم المواطنين حول تنامي هذه الظاهرة، وظروف وملابسات وصول وفود من هؤلاء المختلين عقليا الى المدينة.
صحيح أن السلطات تنظم حملات دورية، في المدن والمناطق التي يرتادها السياح بشكل كبير، بهدف توقيف المرضى المختلين عقليا، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو مآل هؤلاء المختلين الذين يتم تجميعهم، وما ان كان يتم إيداعهم بمؤسسات الأمراض العقلية كما ينص على ذلك القانون، أم يتم ترحيلهم الى مدن أخرى كما يكشف الواقع.
خلال تطرقنا الى هذه الفئة كموضوع للنقاش، فإن مبادئ العدالة والانصاف والإنسانية تقتضي أن ننصفهم قبل أن ندينهم، وأن نثير حقوقهم قبل محاسبتهم على ما قد يصدر عنهم، فوضعية المختلين عقليا من بين القضايا المقلقة والمعقدة في الآن ذاته، نظرا لتداخل الأبعاد القانونية والطبية والاجتماعية فيها، وتزايد المطالب المجتمعية والحقوقية بإعادة النظر في منظومة الصحة النفسية، وتحميل السلطات العمومية مسؤولية الإهمال، لما قد يترتب عنه من تبعات أمنية وإنسانية وخيمة.
الحق في الصحة ليس جرد شعار، بل حق مؤطر دستوريا (الفصل 31 من الدستور)، والصحة العقلية والنفسية جزء لا يتجزأ من الصحة بمفهومها الواسع، ومبادئ حماية الأشخاص المصابين بمرض عقلي وتحسين العناية بالصحة العقلية وفقا لقرار الأمم المتحدة 46/119 الصادر بتاريخ 17 دجنبر 1991 تكفل لهذه الفئة الحق في الحصول على أفضل ما هو متاح من رعاية الصحة العقلية، وأن يعاملوا معاملة إنسانية مع احترام ما للإنسان من كرامة أصيلة.
وعليه فالبرلمان مطالب بإصلاح المنظومة القانونية والتنظيمية المتعلقة بالصحة النفسية من خلال مراجعة الإطار القانوني للصحة العقلية، ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية مطالبة بالقيام بواجباتها في هذا المجال، بتعميم مصالح الصحة النفسية والعقلية المدمجة في المستشفيات العامة، وتعزيز خدمات إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي، وتوفير الشروط الضرورية واللازمة لمعالجة المصابين بالأمراض العقلية، والتكفل بهم إلى أن يتحقق لهم الشفاء التام، حتى لا يشكلوا خطرا على المواطنين وعلى أنفسهم، سواء في الشارع العام أو داخل البيوت، والنيابة العامة مطالبة بالتنفيذ السليم والصارم للقانون من خلال الصلاحيات التي تتيحها لها المادة 25 من الظهير رقم 295.58.1 المؤرخ في 04/10/1959 بشأن الوقاية من الأمراض العقلية ومعالجتها وحماية المرضى المصابين بها، والتي تلزم الوكلاء العامين للملك أو من ينوب عنهم بالقيام بزيارة كل مؤسسات الأمراض العقلية التي تقع بدائرة نفوذهم مرة واحدة على الأقل كل ثلاثة أشهر من أجل التحقق من سلامة وصحة ظروف إيداع الأشخاص بمستشفيات الأمراض العقلية، ومن احترام الضمانات القانونية، واحالة التقارير الخاصة بهذه الزيارات على رئاسة النيابة العامة، وترتيب الاثار القانونية على كل تجاوز أو تقصير.
وعلى السلطات المحلية أن تتحمل مسؤوليتها القانونية إزاء هذه الفئة من المواطنين من خلال مقاربة شاملة ومندمجة تتيح التعاطي مع هذه الظاهرة بشكل يضمن احترام الحقوق الإنسانية لهؤلاء الأفراد، مع الحفاظ على النظام العام وضمان سلامة الساكنة عبر تدخلات واقعية ومستدامة لجمع هؤلاء المرضى، وايداعهم بمستشفيات الأمراض العقلية، لأن المصاب بخلل عقلي مكانه في المستشفى أو في المراكز الاجتماعية المتخصصة، وليس في الشارع العام وسط المواطنين.
ولمقاربة الأضرار المحتملة التي قد تصدر عن الأشخاص في وضعية اضطراب عقلي، فإن هذه الفئة تعتبر غير مسؤولة جنائيا، والسلطة المحلية مسؤولة عن إيداع المختلين عقليا بمؤسسات الأمراض العقلية حفاظا على السكينة العامة طبقا لظهير 04/10/1959، وتعرض أي شخص لاعتداء في الشارع العام من طرف أحد الأشخاص المختلين عقليا يجعل السلطة المحلية مسؤولة عن الحادث بسبب إحجامها عن إيداع المتسبب في الضرر بمؤسسة الأمراض العقلية كما يفرض عليها القانون، ولكونها المسؤولة عن سلامة الساكنة، ولكون التقصير في حماية الأمن العام من خلال عدم قيامها بإيداع هؤلاء الأشخاص بمستشفيات الصحة العقلية يعتبر خطأ مصلحيا من جانبها، ويجعلها مسؤولة عن الأضرار المادية التي قد تلحق بأي متضرر، فضلا عن الأضرار المعنوية والنفسية، والقضاء الإداري لا يتردد في إقرار هذا المبدأ والحكم عليها بأداء التعويضات.
وختاما لا أمن حقيقي للمجتمع دون احتضان هؤلاء وعلاجهم، ولا عدالة دون صون الحقوق قبل الحديث عن الأضرار.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.