العرائش نيوز:
في إطار استراتيجية طموحة لتعزيز الأمن الصحي للثروة الحيوانية وتعويض القطيع الوطني، يعتمد المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (أونسا) حزمة من التدابير الصارمة التي تتراوح بين الحملات الوطنية للتلقيح وإجبارية ترقيم الماشية، وصولاً إلى إعادة تأهيل المسالخ لضمان سلسلة إنتاج آمنة للساكنة.
الرباط: تتابع المصالح البيطرية التابعة للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية حالة القطيع الوطني عبر نظام يقظة وبائي دائم. وكشفت المعطيات الأخيرة عن عدة برامج موازية تهدف إلى خلق قطاع حيواني مقاوم للأمراض وقابل للتتبع، وذلك في ظل تحديات مرتبطة بتغير المناخ وانتقال الأمراض العابرة للحدود .
وفي هذا الإطار، أوضح أحمد البواري، وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، في رد على سؤال برلماني، أن الحالة الصحية للماشية بالمملكة “جيدة بشكل عام وتخضع لمراقبة صحية مستمرة”، مشيراً إلى أن الحملات الوطنية ضد “مرض الحمى القلاعية” شملت، خلال السنة الماضية، تلقيح ما يناهز 1.4 مليون رأس من الأبقار في الحملة الأولى، وما يزيد عن 400 ألف رأس في الثانية، بينما همت حملة تلقيح الأغنام والماعز بالمناطق الحدودية الشرقية أكثر من مليوني رأس .
حملات تلقيح استباقية لمواجهة الأوبئة
لا تقتصر الجهود على مرض الحمى القلاعية فقط، إذ تم تنظيم حملة وطنية لتلقيح الأبقار ضد “البلورونيومية” (ذات الرئة الجنبية المعدية)، استفاد منها حوالي 400 ألف رأس. كما تم تدبير بؤر مصابة بـ”مرض اللسان الأزرق” في الأغنام والماعز، حيث تم تلقيح 148.259 رأساً في الضيعات المصابة والمحيطة بها، مما ساهم في استقرار الحالة الصحية واحتوائها .
وتؤكد هذه الأرقام الاستراتيجية الاستباقية التي تعتمدها السلطات البيطرية، والتي لا تقتصر على رد الفعل بعد ظهور المرض بل تشمل التحصين المسبق . في سياق متصل، يهم البرنامج الوقائي أيضاً مجال تربية النحل، حيث تمت برمجة حملة وطنية خلال النصف الثاني من السنة الجارية لعلاج خلايا النحل من مرض الفاروا .
تدخلات ميدانية في حالات الطوارئ
تُظهر التدخلات الميدانية لأونسا فعالية في الظروف الاستثنائية. ففي أعقاب الظروف الجوية القاسية التي شهدتها منطقة سيدي قاسم مؤخراً، تدخلت الفرق البيطرية التابعة للمكتب في جماعة الحوافات لمعاينة صحة القطيع وتقديم العلاجات اللازمة للحيوانات المتضررة من التساقطات الغزيرة والفيضانات.
ونظمت هذه الفرق، بتنسيق مع السلطات المحلية والوقاية المدنية، حملات تلقيح استهدفت الأبقار ضد الحمى القلاعية، والأغنام ضد جدري الأغنام وطاعون المجترات الصغيرة، حيث تنقل الأطباء البياطرة إلى الحظائر رغم وعورة الطرق، مما جسد القدرة على التكيف مع الكوارث الطبيعية لحماية الممتلكات الحيوانية .
نظام الترقيم وقاعدة البيانات: ثورة في التتبع
أحد الركائز الأساسية التي تعول عليها أونسا لضمان الحماية الصحية هو “نظام ترقيم الحيوانات وتتبع مسارها” الذي ورد في المعطيات الأولية. فقد تم، وفقاً للوزير، إحصاء القطيع الوطني عبر تعاون مع وزارتي الداخلية والاقتصاد، وتم إنشاء قاعدة بيانات شملت حوالي 32.8 مليون رأس من الماشية وما يقارب 1.2 مليون مربي.
الأهم أن عملية تحديد هوية القطيع الوطني بواسطة “السيور” (الأقراص المرقمة في الأذن) قد اكتملت في 31 دجنبر 2025، وهمت حوالي 32.3 مليون رأس من الأبقار والأغنام والماعز والإبل. وقد أتاح هذا الدقة في تحديد المستفيدين من الدعم المالي المباشر، وجعل من هذه القاعدة مرجعاً أساسياً لتوجيه الدعم الحكومي ومراقبة حركة الحيوانات .
نحو تأهيل المسالخ وختم اللحوم
لا يمكن فصل حماية القطيع عن سلامة المنتج النهائي الذي يصل إلى المستهلك. في هذا الصدد، كشف المكتب الوطني للسلامسة الصحية عن “ورقة طريق” طموحة لإعادة هيكلة قطاع المسالخ. فالمغرب يتوفر حالياً على 475 مجزراً، لكن 19 فقط منها تتوفر على ترخيص صحي كامل.
لذلك، تم وضع استراتيجية وطنية تهدف إلى ترخيص 120 مجزراً على الأقل في آفاق سنة 2030، لتكون مطابقة للمعايير الوطنية والدولية. وتتضمن التدابير الجديدة أيضاً تعزيز المراقبة الصحية، حيث يتم فحص الأغذية في أكثر من 12.000 محل لبيع اللحوم، وإجراء أزيد من 2.000 تحليل معملي سنوياً للكشف عن بقايا المواد الضارة، مما يغلق الحلقة من الإنتاج إلى الاستهلاك .
تشكل هذه الجهود المكثفة التي يقوم بها أونسا تحولاً كبيراً في التعامل مع الثروة الحيوانية، حيث لم تعد تقتصر على مجرد العلاج، بل انتقلت إلى منظومة متكاملة تحمل في طياتها أبعاداً اقتصادية للحد من تفشي الأوبئة، وتنظيمية لضبط السوق، وصحية لضمان سلامة المواطنين.
