العرائش نيوز:
الاستاذ ابراهيم الحداد
محام بهيئة طنجة
ليست كل الجرائم ترتكب بالأيدي، فبعضها يرتكب بالكلمات، وبعض الكلمات قد تكون أكثر عنفا وإيلاما من الأفعال نفسها، خصوصا حين تصدر عن شخص يفترض فيه أن يمثل المواطنين ويحترم كرامتهم وقيم المجتمع والدستور.
فما تضمنه الفيديو المتداول لأحد المستشارين الجماعيين بمدينة طنجة من خطاب صادم يحمل كما هائلا من التحقير والإهانة والقذف في حق المرأة العاملة، عبر عبارات مست كرامتها وشرفها وصورتها داخل المجتمع، واختزلت المرأة المغربية التي تكافح يوميا داخل الإدارات والمؤسسات والمقاولات والمستشفيات والمحاكم والمدارس في صورة منحطة ومهينة لا تليق إلا بعقلية ما تزال أسيرة نظرة دونية للمرأة ولدورها داخل المجتمع.
فالقول بأن المرأة العاملة “تعتني بالمدير والمسؤول والسائق”، ثم الادعاء بأنها تعود إلى بيتها “وقد شبعت من الرجال وشبعوا منها”، لا يمكن اعتباره رأيا شخصيا أو مزحة ثقيلة أو تعبيرا عفويا، بل هو قذف جماعي وإهانة صريحة وتنميط خطير يمس ملايين النساء المغربيات العاملات اللواتي يشتغلن بشرف وكرامة من أجل إعالة أسرهن والمساهمة في بناء الوطن.
والأخطر من ذلك أن هذه التصريحات لم تصدر عن شخص مجهول في الشارع أو خلف حساب وهمي، بل عن منتخب داخل مؤسسة يفترض أنها تقوم على احترام المواطنين والمواطنات، وعلى الالتزام بقيم الدستور والمساواة وعدم التمييز. وهذا ما يحول القضية من مجرد تصريح مستفز إلى قضية رأي عام حقيقية تطرح أسئلة ثقيلة حول خطاب الكراهية ضد النساء، وحدود حرية التعبير، والمسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية لمن يتولون تدبير الشأن العام.
فالدستور المغربي لم يجعل الكرامة الإنسانية مجرد شعار للاستهلاك السياسي، بل اعتبرها أساسا للنظام الحقوقي والمؤسساتي، كما نص على المساواة بين الرجل والمرأة وعلى حظر ومناهضة كل أشكال التمييز. وبالتالي فإن أي خطاب يقوم على تحقير النساء أو التشكيك الجماعي في أخلاقهن بسبب العمل، يصطدم بشكل مباشر مع الفلسفة الدستورية التي اختارها المغرب دولة ومجتمعا، كما أن هذه التصريحات تطرح بعدا جنائيا لا يمكن تجاهله، لأن حرية التعبير لا تعني أبدا حرية الإهانة أو القذف أو التحريض على التمييز والكراهية. فحين يتم تعميم أوصاف حاطة بالكرامة على النساء العاملات وربطهن بإيحاءات أخلاقية مشينة، فإن الأمر يتجاوز حدود النقاش أو الرأي إلى مستوى العنف اللفظي والمعنوي الذي يضرب صورة المرأة داخل المجتمع ويشجع على التطبيع مع احتقارها والإساءة إليها.
والأكثر خطورة أن مثل هذه الخطابات لا تؤذي النساء فقط، بل تؤذي أيضا صورة المؤسسات المنتخبة نفسها، لأن المواطن حين يسمع منتخبا يتحدث بهذا المستوى من الانحدار الأخلاقي، فإنه يفقد ثقته في الخطاب السياسي وفي قيمة التمثيل المؤسساتي، ويتولد لديه شعور بأن بعض من يتولون الشأن العام لا يحملون مشروعا مجتمعيا أو فكريا، بل مجرد خطابات شعبوية قائمة على الإهانة والتحقير واستهداف الفئات الهشة.
إن المرأة المغربية التي أراد لها المغرب أن تكون شريكا كاملا في التنمية وبناء المؤسسات، والتي ولجت مجالات القضاء والأمن والإدارة والسياسة والاقتصاد والتعليم والبحث العلمي والجيش، لا يمكن القبول بتحويلها إلى موضوع للسخرية والطعن في شرفها وكرامتها، ولابد من مساءلة حقيقية، تبدأ من الحزب الذي ينتمي إليه هذا المنتخب، لأن الأحزاب ليست مجرد آلات انتخابية، بل مؤسسات يفترض أن تؤطر المجتمع وتنشر قيم الاحترام والمواطنة. كما ينتظر الرأي العام موقفا حازما من النيابة العامة المختصة، لأن صمت المؤسسات أمام خطاب الكراهية والتمييز أخطر أحيانا من الخطاب نفسه، لأنه يحول الإهانة إلى أمر عادي، ويمنح المتطرفين في الإساءة شعورا بالإفلات من المحاسبة مما قد يفتح الباب أمام تطبيع المجتمع مع إهانة النساء والتحريض الرمزي ضدهن.
