العرائش نيوز:
الاستاذ ابراهيم الحداد
محام بهيئة طنجة
في لحظات الغضب المجتمعي، تبدو الحقيقة واضحة، والعقوبة مستحقة، والشارع متفقا على الإدانة قبل أن ينطق القضاء بكلمته، لكن في تلك اللحظات تحديدا، تختبر دولة القانون في جوهرها: هل نحاكم الأفعال وفق القانون؟ أم نحاكم الأشخاص وفق الانفعال الجماعي؟
نعم من حق المجتمع أن يغضب من الجريمة، ومن حق الضحية أن يطالب بالإنصاف، ومن واجب الدولة أن تعتقل المشتبه فيه وتقدمه للعدالة، لكن ليس من حق أحد، مهما كانت بشاعة الأفعال المنسوبة إلى المتهم، أن يجرده من الضمانات التي يكفلها له القانون والدستور قبل أن يقول القضاء كلمته الأخيرة.
صحيح أن المشاهد التي وثقتها التسجيلات المصورة بحي مولاي رشيد بالدار البيضاء كانت صادمة لكل من تابعها، شاب يشتغل في توصيل الطلبات، خرج يبحث عن لقمة عيش شريفة، وجد نفسه فجأة مسلوبا من ممتلكاته، وفي مواجهة اعتداء عنيف بسلاح أبيض ومطاردة مرعبة. وبين الخوف والركض والاستغاثة، اخترق صوت الضحية القلوب قبل الآذان عندما صرخ بحرقة وألم: “راني خدام على الوالدة”، لذلك كان طبيعيا أن تثير الواقعة غضبا واسعا وتعاطفا كبيرا مع الضحية، وأن يرتفع صوت المجتمع مطالبا بإنزال العقاب القانوني الصارم بالمتهم.
غير أن قوة التعاطف مع الضحية، ووضوح الأفعال المنسوبة إلى المشتبه فيه، لا ينبغي أن تدفعنا إلى السقوط في خطأ آخر لا يقل خطورة على دولة القانون، وهو تحويل المتهم إلى شخص مدان قبل أن يمثل أمام القضاء، وتجريده من الضمانات التي يكفلها له الدستور والقانون. فقد تم تصوير المشتبه فيه أثناء إنزاله من سيارة الشرطة، وهو مصفد اليدين، ثم نشرت صورته بوجه مكشوف على نطاق واسع، مع تقديمه للرأي العام تحت وصف “الشفار”، في الوقت الذي كان يعبر فيه صراحة عن رفض تصويره ونشر صورته، رغم محاولة الصحفي حجب صوته الرافض للتصوير.
وبذلك يكون الصحفي قد خرج عن اطار التغطية الاعلامية المهنية الى إدانة علنية لشخص قبل أن يمثل أمام قاضيه الطبيعي، في انتهاك صارخ لقواعد العمل الصحفي، وخرق سافر للدستور الذي كرس قرينة البراءة باعتبارها من المبادئ الأساسية للعدالة الجنائية، فالشخص لا يصبح مجرما لأن مقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا لأن الرأي العام اقتنع بإدانته، ولا لأن الصحافة وصفته بصفات جنائية، وإنما يصبح كذلك فقط بعد صدور حكم قضائي نهائي وفق إجراءات قانونية تكفل له حق الدفاع والمواجهة والطعن، وتصوير شخص يرفض التصوير بشكل صريح، ثم نشر صورته بوجه مكشوف، وتقديمه للرأي العام باعتباره شفار قبل صدور حكم قضائي، يثير نقاشا قانونيا وأخلاقيا ومهنيا عميقا حول الحدود الفاصلة بين الحق في الإخبار وواجب احترام حقوق الإنسان، فالتغطية الاعلامية بهذا الشكل تشكل جريمة معاقب عليها بمقتضى الفصل 303 من قانون المسطرة الجنائية الذي منع صراحة إلتقاط أو نشر صورة شخص في وضعية اعتقال أو يحمل أصفادا دون موافقته، كما يعتبر انتهاكا لقرينة البراءة المنصوص عليها في الفصل 23 من الدستور والمادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية.
وعليه، فإن النيابة العامة باعتبارها أمينة على الشرعية القانونية وحارسة للحق العام بكل مكوناته، والحق العام لا يقتصر على مكافحة الجريمة وزجر مرتكبيها، بل يشمل أيضا حماية الضمانات الأساسية التي قررها القانون لكل شخص يوجد تحت طائلة المتابعة، وفي مقدمتها الحق في الكرامة وقرينة البراءة والمحاكمة العادلة، إذا كان من واجبها التحرك دفاعا عن المجتمع عندما يقع اعتداء على الضحية، فإن عليها أيضا أن تتحرك دفاعا عن القانون عندما يقع اعتداء على حقوق المتهم، وتدخلها في مثل هذه الحالات لا يشكل دفاعا عن المتهم ولا تبريرا لأفعاله، بل يشكل دفاعا عن هيبة القانون نفسه، ومنعا للانزلاق نحو منطق الفوضى والانتقام والعدالة الخاصة.
وختاما، فإن هذا المقال ليس مرافعة عن المتهم، ولا محاولة للتقليل من خطورة الأفعال المنسوبة إليه، ولا دعوة إلى التساهل مع الجريمة أو التهاون في مواجهتها، وإنما هو دفاع عن فكرة أسمى وأبقى، فكرة أن القانون يجب أن يطبق كاملا، ودفاعا عن حق كل متهم، مهما كانت التهم المنسوبة إليه ومهما بلغ حجم الاستنكار المجتمعي لأفعاله، في أن يمثل أمام قاضيه محاطا بكل الضمانات التي يكفلها الدستور والقانون، لا مجردا منها، ثم ينال الجزاء الذي يستحقه كاملا غير منقوص بعد محاكمة عادلة، وفي ظل احترام كامل لكرامته وقرينة براءته وحقوق دفاعه.
