العرائش نيوز: الاستاذ ابراهيم الحداد
محام بهيئة طنجة
في مشهد يختزل حجم الأزمة التي نعيشها في علاقتنا بالفضاء العمومي، استفاق سكان المدينة على منظر يبعث على الأسى أكثر مما يثير الاستغراب؛ رأس كبش موضوع فوق النافورة الرئيسية بساحة التحرير التي لم تنشأ لتكون مطرحا للنفايات أو بقايا الأضاحي، بل نافورة يفترض أن تنثر الماء والجمال في محيطها، تحولت إلى منصة تتربع فوقها بقايا الذبح في صورة تختزل حجم التراجع في الوعي المدني وقيمة الممتلكات المشتركة، وقد سبقه بأيام مشهد آخر لا يقل إيلاما، حين استفاق سكان المدينة على واقعة تكسير أحد الكراسي بفضاء غابة لايبيكا قبل أن يتم افتتاحه رسميا وقبل أن تتاح للساكنة فرصة الاستفادة منه.
لم تكن النافورة مجرد نافورة، ولم تكن الطاولة مجرد طاولة، ولم تكن مشاهد التخريب مجرد تصرفات عابرة يمكن أن نمر عليها مرور الكرام، بل كانت كلها رسائل مؤلمة تكشف عن سؤال أكبر وأخطر : ماذا يحدث لعلاقتنا بمدينتنا؟ ومتى أصبح الاعتداء على الممتلكات المشتركة أمرا عاديا لا يثير الاستنكار ولا يحرك الضمائر؟
قبل أيام أظهرت مقاطع فيديو أطفالا يقتحمون النافورة ويلعبون داخلها وفوق تجهيزاتها بشكل يهدد سلامتهم ويعرض المرفق العمومي للتلف والتخريب، لكن المشهد الذي يستحق التأمل لم يكن الأطفال، المشهد الحقيقي كان الكبار، كان الرشداء الجالسين بالقرب منهم، ورواد المقاهي المحيطة بالنافورة، كان الجميع يرى، لكن أحدا لم يتدخل.
لم نسمع صوتا يقول: هذا خطأ.
لم نر شخصا يوجه الأطفال أو ينبههم.
لم يظهر ذلك الشعور الطبيعي الذي يجعل الإنسان يغضب عندما يرى الاعتداء على شيء يخص الجميع، وكأن الأمر لا يعني أحدا.
إن المشكلة الحقيقية ليست في النافورة، وليست في الطاولة، وليست حتى في حجم الخسائر المادية، المشكلة أعمق من ذلك بكثير، إنها أزمة وعي، وأزمة تربية، وأزمة إحساس بالانتماء.
فالطفل لا يولد وهو يعرف معنى الملك العام أو قيمة المرفق العمومي، الطفل يتعلم ذلك داخل أسرته أولا، يتعلمه من والده ووالدته ومن طريقة حديثهما وسلوكهما اليومي، وعندما يكبر في بيئة لا تعطي أهمية للممتلكات المشتركة، أو تعتبر العبث بها أمرا عاديا، فمن الطبيعي أن ينقل هذا السلوك إلى الفضاء العام.
ولهذا فإن الأسرة تتحمل جزءا أساسيا من المسؤولية، فدور الأسرة ليس فقط توفير الطعام واللباس والتعليم للأبناء، بل هي المؤسسة الأولى التي تصنع المواطن، وهي التي تعلم الطفل أن الشارع ليس ملكا له وحده، وأن الحديقة ليست ملعبا للفوضى، وأن النافورة ليست مسبحا، وأن الممتلكات العمومية ليست أشياء بلا صاحب.
كما أن المدرسة تتحمل بدورها مسؤولية لا تقل أهمية، فالمدرسة لا يفترض أن تكون فضاء لتلقين المعارف فقط، بل فضاء لتكوين الإنسان، وما قيمة نجاح التلميذ في الرياضيات أو العلوم إذا كان يفتقر إلى أبسط قواعد احترام الفضاء المشترك؟ وما قيمة الشهادات إذا عجزت عن إنتاج مواطن يشعر بأن حماية الممتلكات العمومية واجب أخلاقي قبل أن تكون التزاما قانونيا؟
لكن المسؤولية لا تتوقف عند الأسرة والمدرسة، فهناك مسؤولية المجتمع بأكمله، مسؤولية أولئك الذين شاهدوا المشهد وصمتوا، مسؤولية من اعتبر أن الأمر لا يعنيه، مسؤولية من فضل دور المتفرج على دور المواطن.
لقد أصبحنا نعيش نوعا من اللامبالاة الجماعية التي تجعل كثيرين ينددون بالتخريب بعد وقوعه، لكنهم لا يتحركون لمنعه أثناء حدوثه، نشتكي من تراجع جودة الفضاءات العمومية، ونصمت عندما تتعرض للتخريب، نطالب بالمزيد من الحدائق والمتنزهات والمرافق، لكننا لا نبدي الحماس نفسه لحمايتها والمحافظة عليها.
إن المدينة لا تحتاج فقط إلى مشاريع جديدة، بل تحتاج أيضا إلى مواطن جديد، مواطن يشعر بالألم عندما يرى شجرة تتلف، ويشعر بالغضب عندما يرى مرفقا عموميا يخرب، ويشعر بالمسؤولية عندما يشاهد سلوكا خاطئا، لأن المجتمعات الحية لا تقاس فقط بما تنجزه من مشاريع، بل أيضا بقدرتها على حمايتها.
إن أخطر ما كشفت عنه واقعة النافورة وطاولة المنتزه ليس وجود من خربها، فالمخربون وجدوا في كل زمان ومكان، الأخطر هو ذلك الصمت الجماعي الذي أحاط بالفعل، ذلك الصمت الذي جعل الخطأ يبدو عاديا، وجعل الاعتداء على الممتلكات المشتركة يمر دون اعتراض، وجعل المتفرجين أكثر عددا من الحريصين على المصلحة العامة.
فحين يصبح التخريب فعلا عاديا، ويصبح الصمت عليه أمرا عاديا أكثر، فإن الخطر لا يكون على نافورة أو منتزه أو مرفق عمومي فقط، بل على منظومة القيم التي تحفظ تماسك المجتمع، فالأوطان لا تبنى بالإسمنت وحده، بل تبنى أيضا بالتربية والوعي والشعور بالانتماء، وحين نعجز عن حماية نافورة أو طاولة في منتزه، فإن السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا جميعا هو: كيف سنحمي مستقبل أجيال كاملة من ثقافة اللامبالاة؟
فالنافورة لم يخربها الأطفال وحدهم، بل خربتها أيضا ثقافة اللامبالاة، خربها ذلك الصمت الذي يجعل كل شخص ينتظر تدخل شخص آخر، خربها ذلك الاعتقاد الخاطئ بأن حماية الممتلكات العمومية مسؤولية الدولة وحدها، بينما الحقيقة أن الدولة تستطيع بناء المرافق، لكنها لا تستطيع أن تضع حارسا خلف كل طفل، ولا شرطيا بجوار كل نافورة، ولا مراقبا أمام كل شجرة أو حديقة.
سترمم النافورة من جديد، وستستبدل الطاولة المحطمة بأخرى جديدة، فالمال العام قادر دائما على إصلاح الحجر والخشب، أما ما يصعب إصلاحه حقا فهو ذلك الصمت الذي استوطن النفوس، وذلك الشعور المتراجع بالانتماء والمسؤولية، وذلك الشرخ الذي بدأ يتسع بين المواطن ومدينته، وبين الفرد والمصلحة العامة، وبين الحق في الاستفادة والواجب في المحافظة.
شاهد أيضا
تعليقات
