تقرير خاص: ناقوس خطر أممي ووطني.. الثروة السمكية المغربية تحت ضغط الاستنزاف وحكامة “الكم”

العرائش نيوز:

يواجه النموذج الحالي لاستغلال الثروة السمكية في المغرب تحديات وجودية، حيث تتضافر ضغوط الصيد المفرط مع الاختلالات الهيكلية في التدبير لتضع “الأمن الغذائي البحري” للمملكة على المحك. هذا ما أكده بشكل حازم رأي رسمي حديث للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي (نشر بالجريدة الرسمية في 25 يونيو 2026)، والذي رسم صورة قاتمة لوضعية المخزونات السمكية والتنوع البيولوجي البحري.

وجاء في رأي المجلس أن هذا الرصيد الوطني الحيوي يتعرض لضغوط متزايدة ومخاطر حقيقية للاستنزاف، مسجلاً تدهوراً مقلقاً في مؤشرات تجدد العديد من الأصناف التجارية ذات القيمة العالية. وعزا المجلس هذا الوضع إلى استمرار ممارسات الصيد غير القانوني وغير المنظم، والاختلالات البنيوية في حكامة القطاع وتثمين موارده.

تفاوت صارخ بين التنوع البيولوجي والاستغلال الاقتصادي

تكشف الأرقام التي أوردها المجلس عن تفاوت صارخ بين حجم التنوع البيولوجي البحري الذي تزخر به السواحل المغربية وبين ما يتم استغلاله ورصده فعلياً. فبينما تم تسجيل نحو 8 آلاف نوع بيولوجي بحري، لا يخضع سوى جزء يسير جداً منها (بين 60 و100 نوع فقط) للرصد العلمي المنتظم والتثمين الاقتصادي الفعلي. هذا المعطى يتقاطع مع تقارير دولية (مثل تقارير الفاو) التي تنبه باستمرار إلى أن ضعف المعرفة العلمية بالمخزونات السمكية يعد أحد أبرز عوائق التدبير المستدام، خاصة في الدول النامية.

كما سجل الرأي تمركزاً مفرطاً لمجهود الصيد على الأسماك السطحية الصغيرة. ورغم أنها تمثل الأسد من حيث الكميات المفرغة (84%)، إلا أن مساهمتها في القيمة المضافة الإجمالية للقطاع تظل محتشمة ولا تتجاوز 25%، مما يكشف عن ضعف في حلقة التثمين والتصنيع المحلي.

مخزونات حيوية في دائرة الخطر: الأرقام تتحدث

رسم المجلس لوحة تحذيرية لوضعية مخزونات عدد من الأصناف السمكية الرئيسية، مؤكداً أن بعضها بات يُصنف ضمن الأصناف المستغلة بشكل مفرط وتشهد تراجعاً مستمراً. وفي مقدمة هذه الأصناف، السردين بمنطقة البحر الأبيض المتوسط، والميرلا الأبيض، والوراد الوردي، والصول الأحمر، والأخطبوط بالمحيط الأطلسي الجنوبي.

وتوقف الرأي عند مؤشرات رقمية دقيقة تكشف عمق الأزمة:

  • القريدس الوردي (البحر المتوسط): لا تتجاوز كتلته الحيوية حالياً 23% من مستواها الأمثل.

  • سمك الصول الأحمر (البحر المتوسط): تبلغ كتلته الحيوية 35% فقط من المستوى المرجعي.

هذه الأرقام تجد صداها في تقارير “المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري” (INRH)، التي تشير دورياً إلى أن ضغط الصيد في بعض المناطق، لا سيما المتوسطية، قد تجاوز المستويات التي تسمح بتجدد المخزونات، مما استوجب إقرار فترات راحة بيولوجية وتدابير تقييدية لعدد من الأصناف، لا سيما الأخطبوط والأسماك السطحية.

“الهدر الكبير” ومعضلة الصيد غير القانوني

في نقطة تعد من بين الأكثر حرجاً في تقرير المجلس، تم تسليط الضوء على “الهدر الكبير في الموارد وضعف كفاءة التثمين”. وكشف الرأي أن نسبة الرمي والإرجاع في البحر (الأسماك التي يتم اصطيادها بالخطأ أو لا تستجيب للمعايير ويتم التخلص منها وهي ميتة غالباً) تصل إلى 22.8% من إجمالي المصطادات. هذا الرقم يمثل فاقداً اقتصادياً وغذائياً هائلاً، ويتعارض مع جهود مكافحة الجوع وضمان استدامة الموارد، ويتقاطع مع اهتمامات “الفاو” التي تسعى للحد من الصيد العرضي وفاقد الأغذية في سلاسل القيمة السمكية.

وبموازاة ذلك، لا تزال معضلة الصيد غير القانوني والتصريح الناقص بالكميات تشكل ثقباً أسوداً في حكامة القطاع. ولفت المجلس إلى أن نحو ألف قارب صيد في بعض مناطق الجنوب قد يكون معنياً بممارسات غير مطابقة للمعايير القانونية. كما أشار إلى توجيه كميات كبيرة من الأسماك (من بينها أصناف ذات قيمة تجارية عالية) إلى وحدات إنتاج دقيق وزيت السمك، حيث بلغت صادرات هذه الوحدات 140 ألف طن سنة 2023، مما يطرح تساؤلات حول مدى نجاعة السياسة الحالية في توجيه الموارد السمكية نحو الاستهلاك البشري المباشر وتعظيم القيمة المضافة المحلية.

قصور استراتيجي وضغوط بيئية متنامية

على مستوى التدبير العام، خلص رأي المجلس إلى أن السياسات العمومية المعتمدة في قطاع الصيد البحري (مثل استراتيجية “أليوتيس”) لا تزال محكومة بمنطق الإنتاجية والتصدير الكمي على حساب المقاربة الإيكولوجية الشمولية.

وانتقدت الوثيقة “الحكامة المجزأة والتمركز الإداري” الذي يحول دون إشراك الصيادين التقليديين والفاعليين الترابيين في اتخاذ القرارات، مسجلة غياب آلية منسجمة للتتبع الإيكولوجي.

كما سجل المجلس تنامي الضغوط البيئية الناتجة عن التلوث، والتوسع العمراني الساحلي، والصيد بشباك الجر في القاع (الذي يلحق أضراراً بليغة بالأنظمة البيئية القاعية)، فضلاً عن تداعيات التغير المناخي التي بدأت تظهر آثارها على هجرة بعض الأصناف وتغير توزيعها، وهي ظواهر تؤكدها الدراسات العلمية الوطنية والدولية، وتستوجب تكييف السياسات التدبيرية لضمان مرونة القطاع واستدامته.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.