العرائش نيوز:
في خطوة تعكس حالة الاستنفار التي يعيشها قطاع الصيد البحري بالواجهة المتوسطية، عقدت غرفة الصيد البحري المتوسطية، يوم الجمعة 26 يونيو 2026، أشغال دورتها العادية الثانية بمقرها بطنجة، وسط تحذيرات علمية صارخة من استنزاف المخزون السمكي، ودعوات سياسية لتوحيد الصف وتجاوز الخلافات البنيوية التي طالما أثرت على نجاعة القطاع.
ترأس الجلسة السيد مونير الدراز، رئيس الغرفة، بحضور ثقل موزع بين المهنيين والإداريين والعلماء، حيث ضم اللقاء كلاً من السيد العربي المهيدي، رئيس جامعة غرف الصيد البحري بالمغرب، ومندوب الصيد البحري بطنجة، ورئيس المركز الجهوي للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري (INRH) مرفوقاً بأطر المعهد، إضافة إلى أعضاء الغرفة وفعاليات مهنية وممثلي السلطات المحلية. وخصصت هذه الدورة لاستعراض حصيلة القطاع والوقوف عند التحديات التنظيمية والبيئية التي تعصف بالثروة البحرية.
أجواء التضامن والوحدة تتصدر الافتتاح
استهلت الجلسة بلحظة تأبين مهيبة، حيث تقدم السيد الدراز والحضور بقراءة الفاتحة على روح الفقيد أحمد الفاتح، عضو الغرفة، وعدد من أقارب الأعضاء، في لفتة جسدت التلاحم الاجتماعي لأسرة البحر. وفي كلمته، رحب الرئيس بالسيد العربي المهيدي، معتبراً مشاركته في هذه الدورة “محطة فارقة في مسار إعادة بناء جسور الثقة”، مؤكداً أن المرحلة الراهنة تستوجب طي خلافات الماضي والاصطفاف جنباً إلى جنب للدفاع عن مصالح المهنيين.
من جانبه، شدد السيد المهيدي على التزامه بمواصلة الترافع القوي عن قضايا قطاع الشمال، ونقل انشغالاتهم إلى المسؤولين، في رسالة واضحة بأن الجامعة عازمة على لعب دور الوسيط الفاعل بين المهنيين والجهات الوصية.
ملفات تقنية ساخنة على طاولة النقاش
بعد المصادقة بالإجماع على محضر الدورة السابقة، انتقل الحضور إلى النقاط الجوهرية، وفي مقدمتها ملف سلامة البحارة. كشف السيد الرئيس عن مستجدات عملية تجهيز قوارب الصيد التقليدي بسترات النجاة، موضحاً أن التأخير المسجل يعود بالأساس إلى اضطرابات النقل البحري الدولي، لكنه بشر بقدوم دفعة أولى تضم 4 آلاف سترة نجاة، سيتم توزيعها بمعدل 4 سترات لكل قارب، انطلاقاً من مينائي طنجة والعرائش.
أما الملف الأكثر حساسية، فتمثل في تحيين النظام المعلوماتي لمراكب الصيد، حيث نبه الأعضاء إلى وجود اختلالات صارخة بين البيانات الرقمية المعتمدة مركزياً والوثائق الرسمية، خصوصاً فيما يتعلق بمواصفات المحركات وبيانات الملكية، وهو ما يشل المساطر الإدارية ويؤخر عمليات البيع أو تغيير المحركات. وطالب المتدخلون بتمكين المندوبيات المحلية من صلاحيات أوسع لتصحيح هذه الاختلالات دون العودة إلى المركز، مع إعادة النظر في سقف القوة الحصانية المسموح بها، مطالبين برفعها من 25 إلى 40 حصاناً، لتواكب تزايد حمولة القوارب وتغير الظروف المناخية واشتداد التيارات البحرية.
تحذير علمي مقلق: الاحتباس الحراري يعيد تشكيل الخريطة السمكية
كان العرض العلمي الذي قدمه خبراء المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري بمثابة الصدمة الأكبر في أشغال الدورة. قدم الخبراء تشخيصاً دقيقاً للوضعية البيئية للبحر الأبيض المتوسط، الذي رغم تنوعه البيولوجي الفريد، يعاني من هشاشة واضحة في وفرة المخزونات السمكية نتيجة الضغوط البشرية وتداعيات التغيرات المناخية.
وفي كشف صادم، أشار التقرير إلى أن درجات حرارة المياه قفزت في بعض المناطق إلى ما بين 28 و30 درجة مئوية، وهو ما تسبب في هجرة الأسماك السطحية الصغيرة (السردين والشطون) إلى الأعماق، وتراجع أحجامها بنسبة تتراوح بين 20 و30% نتيجة نقص الأكسجين.
لكن الخبر الأكثر إثارة للقلق، كان بشأن سمك “البوراسي” (القلب أو الهامور الصخري)، حيث أكدت المؤشرات وصول المخزون إلى مرحلة استنزاف غير مسبوقة. وبناءً على هذا التشخيص، أوصت اللجنة العلمية بخفض الحصة السنوية المسموح بصيدها خلال سنة 2027 بشكل جذري، من 40 طناً إلى 4.2 طن فقط، في محاولة أخيرة لإنقاذ النوع من الانهيار التام. ولم يغفل التقرير التحديات الأخرى المتمثلة في الأنواع الغازية كالطحلب الأحمر وشباك الأشباح، وصولاً إلى السلطعون الأزرق الذي أصبح يشكل كابوساً لمعدات الصيد التقليدية.
هموم ميدانية وتدخلات عاجلة
لم تقتصر المناقشات على الجانب النظري، بل فتحت باب التدخلات لاستعراض إشكالات ميدانية ملحة. واستنكر المهنيون استمرار ظاهرة الصيد بالمتفجرات في المنطقة الممتدة بين سيدي حسين والناظور، معتبرين أنها جريمة بيئية تهدد سلامة الملاحة والأمن العام، ودعوا إلى تشديد المراقبة.
كما أثاروا إشكالية الصيد الترفيهي غير المنظم، والذي تحول بحسب شهاداتهم إلى نشاط تجاري مقنع، حيث تُسوق كميات كبيرة من الأسماك خارج القنوات القانونية، مما يخلق منافسة غير متكافئة مع القطاع المهني المنظم.
أما ميناء العرائش، فكان حاضرا بقوة في النقاش، حيث اشتكى المجهزون من جمود إجراءات تسليم البقع الأرضية لبناء المستودعات، ومن الخسائر المتكررة جراء تلف الشباك، إضافة إلى تداعيات تلوث المياه التي تنعكس سلباً على جودة المنتجات وتثمينها.
نحو نموذج جديد للتدبير المستدام
اختُتمت الدورة برؤية استشرافية، حيث أجمع الحاضرون على أن الحل يكمن في اعتماد مقاربات جديدة توفق بين الحفاظ على المورد واستمرارية النشاط. وفي هذا السياق، اقترح رئيس الغرفة اعتماد فترات راحة بيولوجية مؤقتة لمراكب الجر، مع الدعوة إلى مراجعة مخططات تهيئة المصايد بشكل دوري لمواكبة التغيرات المناخية. وشدد المجتمعون على ضرورة الانتقال من منطق “وفرة الكميات” إلى تثمين “جودة المنتوج”، مع استلهام تجارب دولية ناجحة في برامج المغادرة الطوعية للوحدات المتقادمة مقابل تعويضات مالية.
وأكدت الغرفة، في ختام أشغالها، عزمها على تنظيم لقاء متخصص حول وضعية سمك “البوراسي” والبدائل الاقتصادية للبحارة المتضررين، لتكريس مقاربة تشاركية راسخة، تجمع بين دقة المعطى العلمي ووعي المهنيين، في مسعى لضمان استدامة القطاع وتعزيز دوره الحيوي بالواجهة المتوسطية، وسط تحديات بيئية واقتصادية تتطلب تدخلاً عاجلاً ومتكاملاً.
