العرائش نيوز:
بقلم: الأستاذة نسرين العطاش – محامية بهيئة طنجة
تشهد السواحل المغربية خلال الفترة الأخيرة تصاعدًا لافتًا في محاولات الهجرة غير النظامية نحو مدينة سبتة، في مشاهد باتت تتكرر بشكل يثير القلق، خاصة مع تزايد إقدام القاصرين والشباب على خوض رحلات بحرية محفوفة بالمخاطر، بحثًا عن مستقبل يرونه أكثر أملًا على الضفة الأخرى.
ولم تعد هذه الظاهرة مجرد حالات فردية معزولة، بل أصبحت قضية اجتماعية وإنسانية تستدعي قراءة عميقة لأسبابها الحقيقية، بعيدًا عن التفسيرات السطحية أو الحلول الظرفية.
فالهجرة غير النظامية ليست مجرد خرق للقانون أو محاولة لعبور الحدود، بل تعكس في كثير من الأحيان واقعًا من الإحباط والضغوط الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي يعيشها عدد من الشباب. وعندما يختار شاب مواجهة أمواج البحر، وهو مدرك لما قد ينتظره من غرق أو فقدان أو استغلال من طرف شبكات الاتجار بالبشر، فإن ذلك يعكس حجم اليأس الذي وصل إليه، وشعوره بانسداد آفاق المستقبل.
ورغم الجهود التي تبذلها الدولة في مراقبة الحدود والتصدي لشبكات تهريب المهاجرين، فإن المقاربة الأمنية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لمعالجة هذه الظاهرة. فالحل الحقيقي يبدأ من معالجة الأسباب العميقة، عبر توفير فرص الشغل، والارتقاء بمنظومة التعليم والتكوين، وتشجيع الاستثمار، وإرساء سياسات اجتماعية واقتصادية تمنح الشباب الأمل والثقة في المستقبل.
كما تتحمل الأسرة، والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، ومكونات المجتمع المدني مسؤولية مشتركة في نشر الوعي بمخاطر الهجرة غير النظامية، خاصة في ظل انتشار محتوى على مواقع التواصل الاجتماعي يصورها كطريق مضمون نحو حياة أفضل، بينما تكشف الوقائع أن كثيرًا من هذه الرحلات تنتهي بالغرق أو الفقدان أو الاحتجاز أو الوقوع ضحية للاستغلال.
إن الشباب المغربي هو الرصيد الحقيقي للوطن، ولا ينبغي أن تتحول طاقاته إلى أرقام في قوائم المفقودين أو ضحايا البحر. فنهضة الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من إمكانات، بل بقدرتها على حماية شبابها، وصون كرامتهم، وتهيئة الظروف التي تمكنهم من تحقيق طموحاتهم داخل وطنهم.
ويبقى الأمل معقودًا على تبني رؤية شمولية تجعل الاستثمار في الإنسان أولوية، وتعزز الثقة بين الشباب ومؤسسات الدولة، لأن معالجة الهجرة غير النظامية لا تبدأ عند الشواطئ، بل تبدأ من المدرسة، ومن سوق الشغل، ومن السياسات الاجتماعية التي تضمن لكل شاب حقه في أن يحلم بمستقبل كريم دون أن يضطر إلى المجازفة بحياته في عرض البحر.
