الهجرة الى سبتة بين الشرعية الجنائية ومغربية التراب

العرائش نيوز:

الاستاذ ابراهيم الحداد
محام بهيئة طنجة

لم يكن من السهل، وأنا أتابع الأحكام التي قضت بالحبس النافذ في حق عدد من الأشخاص على خلفية دخولهم إلى سبتة أو مساعدتهم على ذلك، أن أتجاوزها باعتبارها مجرد أحكام قضائية في قضايا مرتبطة بالهجرة غير النظامية. ليس لأنني أبحث عن مبررات للمتابعين، وإنما لأن هذه الأحكام تضعنا أمام إشكال قانوني أكبر من الأشخاص الذين صدرت في حقهم.
إنها تضعنا أمام سؤال يتعلق بسبتة نفسها: هل يمكن أن تكون سبتة جزءا من التراب الوطني المغربي في الموقف الرسمي للدولة، ثم تصبح في تطبيق النص الجنائي ترابا أجنبيا بمجرد أن يتعلق الأمر بتجريم من دخل إليها؟
وهذا السؤال، في تقديري، لا يجوز أن يُطرح من زاوية الدفاع عن المتهمين، وإنما من زاوية الدفاع عن مغربية التراب، وعن الشرعية الجنائية، وعن انسجام القانون مع الموقف الرسمي للدولة.
فالقانون الجنائي ليس مجالا للانطباعات، ولا للأوصاف السياسية، ولا للتوسع في التأويل كلما تعلق الأمر بظاهرة تثير القلق أو تستدعي الحزم، وبالرجوع الى مقتضيات القانون 02.03 المتعلق بدخول وإقامة الأجانب بالمملكة المغربية وبالهجرة غير المشروعة نجد جوهر الفعل المجرم هو “مغادرة التراب المغربي بصفة سرية”. وإذا كان الركن المادي للجريمة هو مغادرة التراب المغربي، فإن أول ما ينبغي أن نسأل عنه هو: ما المقصود بالتراب المغربي في هذه الحالة؟
لا يمكن أن نتعامل مع مفهوم التراب الوطني بمعيار في المجال السياسي ومعيار آخر في المجال الجنائي. فالدولة المغربية تتمسك، سياسيا ودبلوماسيا، بأن سبتة مدينة مغربية محتلة، وأنها جزء من التراب الوطني، وإذا كان الأمر كذلك، فإن انتقال شخص من الفنيدق إلى سبتة يعتبر ممارسة لحقه الدستوري في التنقل المكفول بمقتضى الفصل 24 من الدستور، ولا يمكن أن يوصف بأنه غادر التراب المغربي، إلا إذا قدمنا أساسا قانونيا يبرر القول أن مفهوم التراب المغربي في النص الجنائي يختلف عن المفهوم الذي تتمسك به الدولة في موقفها السيادي.
وهنا لا يكفي أن نقول إن هناك حدودا فعلية أو أن السلطات الإسبانية تباشر سيطرتها على سبتة، فهذا وصف للواقع، لكنه لا يجيب عن السؤال الجنائي، فالسيادة الفعلية شيء، ومفهوم التراب الوطني الذي أحال إليه النص الجنائي شيء آخر.
وإذا أراد المشرع أن يجعل مناط التجريم هو اجتياز الحدود الواقعية، أو الخروج من المجال الذي تمارس فيه السلطات المغربية سلطتها الفعلية، فكان يستطيع أن يقول ذلك بعبارة واضحة، لكنه لم يفعل. والشرعية الجنائية تقتضي تفسير النصوص الجنائية تفسيرا ضيقا، ولا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها، ولا يمكن للقاضي، مهما كانت مشروعية الغاية التي يريد النص تحقيقها، أن يستبدل عبارة “مغادرة التراب المغربي” بعبارة أخرى لم يكتبها المشرع.
ومن جهة أخرى، تحدث المشرع عن المغادرة “بصفة سرية”، ومادامت السرية عنصرا من عناصر الجريمة، فإن إثبات الجريمة يقتضي إثباتها، لا افتراضها، والوقائع التي شهدتها سبتة كانت علنية، جماعية، وفي وضح النهار، وكانت أمام أعين السلطات ووسائل الإعلام والعالم بأسره.
وختاما تجدر الإشارة الى أني أدرك كمحام أن مكان مثل هذه الدفوع هو قاعة المحكمة، وأمام قضاة الحكم في إطار مناقشة قضائية حقيقية تمكن المحكمة من الإحاطة بجميع أوجه النازلة قبل اصدار حكمها، لكن وللأسف صدرت الأحكام في غيبة الدفاع، فأحسست أنه من واجبي طرح هذه الأسئلة إسهاما في النقاش القانوني حول قضية تتجاوز الأشخاص المتابعين، وتمس التراب الوطني ونص جنائي وحدود لا يجوز للقضاء أن يتجاوزها، فمن غير المقبول أن نقول إن سبتة مغربية عندما يتعلق الأمر بالسيادة، ثم نتعامل معها وكأنها خارج التراب المغربي عندما يتعلق الأمر بالركن المادي لجريمة جنائية، ومادامت سبتة مغربية، فإن الدفاع عن مغربيتها يجب ألا يتوقف عند الخطاب السياسي، بل ينبغي أن يجد صداه في التفسير القانوني للنصوص التي يراد تطبيقها عليها.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.