العرائش نيوز :
ذ:مروان بل
تدخل الأحزاب المغربية الانتخابات التشريعية لسنة 2026 ببرامج تحمل أرقاماً كبيرة ووعوداً أكبر: مليون منصب شغل، خفض البطالة، دعم الأسر، تخفيض الضرائب، إنعاش الصناعة، توسيع الخدمات الصحية، ورفع القدرة الشرائية. بعد خمس سنوات من الولاية الحكومية المنتهية، أصبح لكل هذه الوعود سياق واضح، لكن المواطن نفسه يدخل هذه الانتخابات من موقع مختلف: كلفة المعيشة أثقلت ميزانيته، والبحث عن عمل أصبح أكثر صعوبة بالنسبة إلى الشباب، والثقة في قدرة الخطاب السياسي على تغيير الحياة اليومية ليست بالمستوى الذي تريده الأحزاب.
وهذا الإحساس بالضغط ليس مجرد انطباع سياسي. فالمندوبية السامية للتخطيط أظهرت في الربع الثاني من سنة 2026 أن 57.2 في المائة من الأسر تتوقع ارتفاع البطالة خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، بينما لم تتوقع انخفاضها سوى 18.4 في المائة. كما سجل مؤشر ثقة الأسر تراجعاً مقارنة بالربع السابق. وفي الوقت نفسه، عرفت أسعار الاستهلاك في يوليوز انخفاضاً شهرياً بنسبة 1 في المائة، ما يعني أن وتيرة الأسعار هدأت، لكنه لا يعني بالضرورة أن الأسعار عادت إلى مستويات ما قبل موجات الغلاء.
أما سوق الشغل، فتظل أكثر المجالات التي يصعب فيها إقناع المواطن بالأرقام الانتخابية. فالمنهجية الجديدة للمندوبية السامية للتخطيط تضع المشاركة في سوق العمل عند 42.2 في المائة في الربع الثاني من 2026، ولا تتجاوز مشاركة النساء 18.1 في المائة، بينما لا تتعدى مشاركة الشباب بين 15 و24 سنة 22.9 في المائة. وهذه الأرقام تقول شيئاً مهماً: المشكلة المغربية ليست البطالة فقط، وإنما أيضاً محدودية دخول جزء كبير من السكان، وخاصة النساء والشباب، إلى النشاط الاقتصادي من الأصل.
هذه هي نقطة البداية الحقيقية لقراءة البرامج الانتخابية. أما حصيلة 2021-2026، فيكفي تذكير المواطن بأنها الولاية التي انتقلت خلالها الحماية الاجتماعية من وعد انتخابي إلى برنامج فعلي، وارتفع فيها الاستثمار العمومي بشكل كبير، بينما ظلت قضية التشغيل والقدرة الشرائية من أكثر الملفات حساسية. الحكومة تتحدث عن ارتفاع الاستثمار العمومي من نحو 230 مليار درهم سنة 2021 إلى حوالي 380 ملياراً سنة 2026، وعن توسيع الدعم الاجتماعي المباشر ليشمل ملايين الأسر. وفي المقابل، ظل سوق الشغل عاجزاً عن إعطاء الإحساس نفسه بالتحسن الذي تعكسه بعض مؤشرات الاقتصاد الكلي.
من هنا تبدأ المشكلة: الأحزاب تعرض وعوداً تبدو منفردةً معقولة، لكن جمعها كلها في برنامج حكومي واحد هو الذي يكشف التناقضات.
فالحزب يريد زيادة الدعم، وحزب آخر يريد خفض الضرائب، ثالث يريد رفع الأجور، رابع يريد استثمارات عمومية ضخمة، وخامس يريد وقف ارتفاع الأسعار. وكل ذلك في الوقت نفسه. لكن الميزانية لا تعرف لغة الوعود المتفرقة؛ فهي في النهاية تجمع واحد من الموارد والنفقات، وكل درهم يصرف هنا يحتاج إلى مصدر تمويل أو إلى التخلي عن إنفاق آخر أو إلى زيادة في الإيرادات أو الدين.
عندما يريد الجميع مليون وظيفة
أبرز ما يلفت الانتباه في البرامج الانتخابية الحالية هو عودة «مليون منصب شغل» إلى الواجهة. حزب الأصالة والمعاصرة يَعِد بمليون وظيفة صافية خلال الولاية المقبلة، والتقدم والاشتراكية يطرح بدوره هدفاً مماثلاً، فيما يستمر التجمع الوطني للأحرار في الدفاع عن هدف مليون منصب في سياق مختلف تماماً لأنه الحزب الذي قاد الحكومة خلال الولاية المنتهية.
المشكلة ليست في الرقم نفسه. الاقتصاد المغربي في حاجة فعلية إلى مئات الآلاف من الوظائف الجديدة. المشكلة أن الأحزاب تتعامل مع الوظيفة وكأنها نتيجة قرار سياسي مباشر، بينما الوظيفة في الاقتصاد الحقيقي هي نتيجة سلسلة كاملة: استثمار، طلب، إنتاج، تمويل، صادرات، إنتاجية، وثقة المقاولة في المستقبل.
وعندما يقدم حزب هدفاً مثل مليون وظيفة، يصبح السؤال الطبيعي: هل نتحدث عن مليون وظيفة إضافية صافية بعد احتساب الوظائف التي ستضيع؟ هل هي وظائف دائمة أم مؤقتة؟ كم منها سيكون في الصناعة، وكم في الخدمات، وكم سيعتمد على الأوراش العمومية والأحداث الكبرى؟
برنامج الأصالة والمعاصرة مثلاً يوزع المليون وظيفة بين أنشطة مرتبطة بكأس العالم، والخدمات ذات القيمة المضافة، والصناعة، والعالم القروي، والاقتصاد الرياضي. هذا التفصيل أفضل من رقم مجرد، لكنه يكشف في الوقت نفسه هشاشة جزء من الرهان: 360 ألف وظيفة مرتبطة مباشرة أو غير مباشرة بكأس العالم والأنشطة المواكبة له بين 2026 و2031. اقتصادياً، يمكن لحدث بهذا الحجم أن يخلق دورة استثمار ونشاط قوية، لكن السؤال الذي يهم المواطن هو ماذا سيبقى من هذه الوظائف بعد انتهاء دورة الحدث.
والتناقض يظهر بصورة أكبر عندما نصل إلى الحزب الحاكم. فمليون منصب كان أصلاً أحد التزامات برنامج 2021. ولذلك لا يمكن تقديمه سنة 2026 كما لو أنه فكرة جديدة لم تختبر بعد. الحكومة تقول إنها خلقت مئات الآلاف من الوظائف خلال الولاية، لكن سوق العمل لا يزال يولد لدى الأسر إحساساً بعدم الأمان، ومندوبية التخطيط نفسها تسجل أن غالبية الأسر التي شملها الاستطلاع تتوقع ارتفاع البطالة خلال السنة المقبلة.
هنا لا يعود المواطن مهتماً كثيراً بالمليون كرقم. يريد أن يعرف لماذا تستطيع البلاد أن تبني مشاريع بمليارات الدراهم، بينما لا يستطيع شاب حاصل على شهادة أن يجد وظيفة مستقرة. هذه الفجوة بين النمو والاستثمار من جهة، والإحساس بفرص العمل من جهة أخرى هي أحد أكبر مصادر التوتر في هذه الانتخابات.
المشكلة الثانية: كل حزب يريد إنفاق المزيد، وكل حزب يريد أن يدفع المواطن أقل
ربما يكون هذا هو التناقض المالي الأكثر وضوحاً في البرامج الحالية. الأصالة والمعاصرة يعلن كلفة إضافية تبلغ 350 مليار درهم خلال خمس سنوات، موزعة بين القدرة الشرائية والشباب والخدمات والأمان الاستراتيجي. والتقدم والاشتراكية يذهب أبعد في برنامجه المعلن، فيضع 574.4 مليار درهم من النفقات الإضافية مقابل 621.5 ملياراً من الموارد الإضافية خلال خمس سنوات، وفق النموذج المالي للحزب.
في المقابل، أحزاب أخرى تعد المواطن بأنه سيدفع ضرائب أقل. الاتحاد الاشتراكي يقترح تخفيض العبء الضريبي على الأجور بنسبة 10 في المائة، ويربط ذلك برفع الدخل المتاح للطبقة المتوسطة. وعدد من الأحزاب يتحدث أيضاً عن زيادة الأجور والمعاشات وتوسيع الدعم وتحسين الخدمات العمومية.
المشكلة هنا ليست أن أياً من هذه المطالب غير مشروع. بل إن معظمها يبدو منطقياً إذا أخذ منفرداً. الأسرة تحتاج إلى دعم، والأجير يحتاج إلى دخل صاف أكبر، والشباب يحتاج إلى وظيفة، والمستشفى يحتاج إلى موارد، والصناعة تحتاج إلى استثمار.
لكن الدولة لا يمكنها أن تخفض الإيرادات وتزيد النفقات وتحقق في الوقت نفسه توازناً مالياً أفضل، إلا إذا كان هناك مصدر كبير ومستدام لموارد جديدة.
وهذه هي الحلقة الناقصة في جزء من الخطاب الانتخابي. النمو الاقتصادي ليس مالاً موجوداً في الخزينة يمكن توزيعه قبل أن يتحقق. عندما يقول حزب إن جزءاً كبيراً من برنامجه سيمول بالنمو، فهو يفترض أولاً أن النمو سيأتي بالمستوى المطلوب، ثم أن هذا النمو سيتحول إلى إيرادات ضريبية كافية، ثم أن هذه الإيرادات ستتحقق في الوقت الذي تحتاجه الدولة فيه إلى الإنفاق.
البرنامج الذي ينجح في الظروف المثالية قد يفشل في ظروف أقل تفاؤلاً. والمغرب يعرف جيداً أن الجفاف وتقلب أسعار الطاقة والظروف الخارجية يمكن أن تغير الحسابات في ظرف سنة واحدة.
لذلك فإن المواطن لا يحتاج إلى برنامج يشرح له فقط كيف سيستفيد عندما تسير الأمور كما هو متوقع؛ يحتاج إلى معرفة ماذا سيحدث له إذا لم تسِر الأمور كما هو متوقع.
القدرة الشرائية: دعم أكثر أم دخل أكبر؟
من أكثر التناقضات السياسية وضوحاً أن جميع الأحزاب تقريباً تتحدث عن القدرة الشرائية، لكن المقاربات مختلفة جذرياً. هناك من يقترح توسيع الدعم، ومن يريد خفض الضرائب، ومن يرفع الأجور والمعاشات، ومن يريد التدخل في الأسعار، ومن يراهن على التشغيل كحل طويل الأمد.
حزب الاستقلال، مثلاً، يطرح منحة قدرها 5000 درهم للمقبلين على الزواج. وهي مساعدة مباشرة مفهومة سياسياً واجتماعياً، لكنها لا تعالج الكلفة الهيكلية لتكوين أسرة: السكن، الدخل، الاستقرار المهني، والتعليم والصحة.
وتجمع وعود الأحزاب في هذا المجال مشكلة واحدة: هل نريد تعويض المواطن عن ارتفاع كلفة الحياة، أم نريد معالجة الأسباب التي تجعل كلفة الحياة مرتفعة مقارنة بدخله؟
الفرق بين الأمرين جوهري. فالدعم الاجتماعي المباشر أثبت أن الدولة قادرة على تحويل موارد مالية إلى الأسر على نطاق واسع؛ فقد استفادت منه نحو 3.9 مليون أسرة إلى نهاية 2025، وبلغ مجموع التحويلات حوالي 51 مليار درهم منذ انطلاق البرنامج في ديسمبر 2023. لكن توسيع الدعم إلى ما لا نهاية ليس بديلاً عن رفع الإنتاجية والأجور وفرص العمل.
ولهذا فإن اقتراح التجمع الوطني للأحرار ربط الدعم بالتضخم يعالج مشكلة حقيقية: القيمة الشرائية للدعم نفسه يمكن أن تتآكل مع ارتفاع الأسعار. لكنه يخلق في المقابل التزاماً مالياً يتوسع كلما ارتفعت الأسعار.
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: ماذا لو ارتفعت الأسعار لأن الطاقة أو الغذاء أصبحا أكثر كلفة على الاقتصاد؟ هل سترفع الدولة الدعم لتعوّض المواطن، أم سترفع الأسعار لتجنب انفجار النفقات؟
لا توجد سياسة تستطيع إخفاء هذه المفاضلة. يمكن للدولة أن تخفف أثر الصدمة، لكنها لا تستطيع إلغاء تكلفتها الاقتصادية.
المحروقات: حماية المستهلك أم حماية الميزانية؟
في ملف المحروقات تظهر التناقضات بصورة أوضح من أي ملف آخر. العدالة والتنمية، الذي سبق أن كان في قلب مسار تحرير أسعار المحروقات، يعود اليوم إلى المطالبة بمزيد من المراقبة والحد من الممارسات المنافية للمنافسة والتصدي للهوامش المفرطة. وفي المقابل، تصر الأغلبية الحكومية على أن تحرير الأسعار كان جزءاً من إصلاح المالية العمومية.
المواطن لا يعيش هذا النقاش على مستوى النظريات الاقتصادية. عندما يرتفع ثمن الوقود، يراه في فاتورة النقل، وفي الأسعار، وفي كلفة التنقل، وفي ميزانية الأسرة. ولذلك يصبح الحديث عن تحرير الأسعار أقل أهمية بالنسبة إليه من سؤال واحد: هل السوق تنافسية فعلاً؟
إذا كانت المشكلة هي وجود هوامش غير مبررة أو ضعف المنافسة، فإن مراقبة السوق وتشديد قواعد المنافسة يمكن أن تكون أكثر استهدافاً من العودة إلى دعم واسع. أما إذا كان الحل هو تسقيف السعر النهائي، فلا بد من الإجابة عن السؤال الذي يتجاهله الخطاب السياسي غالباً: من سيدفع الفرق بين السعر المحدد إدارياً وكلفة السوق؟
في انتخابات 2026، أُعيد طرح مقترحات لتسقيف أسعار المحروقات، لكنها رفضت في مجلس المستشارين. والقصة بحد ذاتها تكشف أن القضية لم تعد مجرد خلاف حول سعر الوقود، بل صراع حول فلسفة السياسة الاقتصادية: هل تتدخل الدولة في السعر، أم تكتفي بضبط المنافسة؟
وبالنسبة إلى المواطن، أفضل سياسة ليست بالضرورة الأكثر تدخلاً، وإنما الأكثر شفافية. المواطن يستطيع تحمل سعر مرتفع أكثر إذا كان يفهم لماذا ارتفع ولماذا لا توجد بدائل أقل تكلفة. ما يصعب عليه تحمله هو ارتفاع السعر مع غياب الثقة في آلية تكوينه.
الصناعة والصحة والوظيفة العمومية: أين تتوقف قدرة الدولة؟
يتفق الخطاب الانتخابي تقريباً على أن الصناعة هي أحد مفاتيح المستقبل. الاتحاد الاشتراكي يَعِد بـ250 ألف وظيفة صناعية، فيما يعطي التقدم والاشتراكية الصناعة دوراً مركزياً في خلق الوظائف، والأصالة والمعاصرة يخصص 250 ألف وظيفة للصناعة وتعويض الواردات.
هذا التوافق إيجابي، لكنه يطرح تحدياً آخر: الصناعة تحتاج إلى كهرباء وماء ولوجستيك وعقار وتمويل وتكوين، وكل هذه الأشياء تكلف الدولة والقطاع الخاص أموالاً. لذلك لا يمكن أن تكون الصناعة في الوقت نفسه مشروعاً لخلق الوظائف، وأداة لخفض الأسعار، ومصدراً سريعاً للضرائب، من دون أن نمنحها الوقت والاستثمار اللازمين لبناء القدرة التنافسية.
الأمر نفسه ينطبق على الصحة.
حزب الاستقلال يقترح تكوين 2000 طبيب للمستعجلات إلى أفق 2031. من الصعب الاعتراض على الرقم في حد ذاته، لكن الطبيب ليس مجرد راتب في الميزانية. هناك تكوين، ومستشفى، وتجهيز، وممرضون، وحراسة، وأدوية، وصيانة، ونظام صحي قادر على استيعاب هذه الموارد البشرية.
وهنا تظهر مشكلة أعمق في كل البرامج: الدولة مطالبة بأن تصبح أقوى في كل شيء في وقت واحد.
دولة اجتماعية أكثر سخاءً، دولة صحية أقوى، دولة تعليمية أفضل، دولة صناعية داعمة، دولة قادرة على الاستثمار، ودولة أقل ضرائب وأكثر حماية للأسرة.
قد يكون ذلك ممكناً على المدى الطويل، لكنه ليس مجانياً، وليس فورياً.
ما الذي لا تقوله البرامج؟
المشكلة الكبرى في النقاش الانتخابي ليست فقط ما تقوله الأحزاب، بل ما تسكت عنه.
قليل من البرامج يتحدث بالوضوح نفسه عن ترتيب الأولويات. ماذا ستفعل الحكومة إذا لم تكفِ الموارد لتمويل كل الوعود؟ أي مشروع سيؤجل؟ هل سيتم رفع الضرائب على فئات أخرى؟ هل سيتم تقليص دعم أو نفقات أخرى؟ هل سيزداد الدين؟
حتى البرامج التي تعلن أرقاماً دقيقة، مثل برنامج الأصالة والمعاصرة وبرنامج التقدم والاشتراكية، تبني جزءاً من حساباتها على موارد مستقبلية مرتبطة بالنمو أو إعادة توزيع النفقات. وهذا يجعل الأرقام مفيدة للمقارنة، لكنها لا تجعل الموارد مضمونة تلقائياً.
أما المواطن، الذي يسمع في الوقت نفسه عن خفض الضرائب وزيادة الدعم ورفع الأجور وبناء المستشفيات ومليون وظيفة، فمن الطبيعي أن يسأل: هل هذه الوعود منفصلة فعلاً أم أن بعضها سيتحمل كلفة البعض الآخر؟
هذه هي النقطة التي يبدو أن الخطاب السياسي لا يمنحها ما تستحقه.
فحين تقول الدولة إنها تريد رفع الأجور، فإنها تحتاج إلى شركات قادرة على تحمل الأجور. وحين تريد تخفيض الضرائب، تحتاج إلى تعويض الإيرادات بطريقة أخرى. وحين تريد مساعدة الأسر، تحتاج إلى موارد مستدامة. وحين تريد بناء مصانع، تحتاج إلى استثمار عام في البنية التحتية والطاقة والماء. وحين تريد الحفاظ على عجز منخفض، لا يمكنها زيادة الإنفاق بلا سقف.
هذه ليست معادلات تقنية بعيدة عن المواطن. إنها في النهاية تحدد كم سيبقى في جيبه، وما الذي سيحصل عليه من الدولة، وكم سيدفع مقابله بشكل مباشر أو غير مباشر.
ماذا عن الأحزاب التي لا توفر أرقاماً كافية؟
في هذه النقطة تحديداً تصبح المقارنة غير متكافئة. بعض الأحزاب دخلت الانتخابات ببرامج مفصلة تحمل كلفاً وأهدافاً زمنية، بينما لا توفر برامج أخرى المنشورة ما يكفي لإجراء اختبار مالي مماثل.
لكن غياب الأرقام ليس بالضرورة دليلاً على سوء البرنامج؛ إنه فقط يعني أن المواطن لا يستطيع أن يحاسبه بالسهولة نفسها.
وفي انتخابات تقوم فيها المنافسة على تحسين الدخل، وتوسيع الدعم، وخلق الوظائف، وإصلاح الصحة والتعليم، تصبح القدرة على شرح التمويل جزءاً من البرنامج نفسه، وليست ملحقاً تقنياً.
المناظرات بدل المهرجانات
تستفيد الأحزاب من دعم عمومي مخصص للحملات الانتخابية، لكن ما نشهده هو إنفاق كبير على الموسيقى والفلكلور والولائم والحشود. ربما كان الأجدى أن يذهب جزء أكبر من هذا الجهد إلى مناظرات حقيقية بين الأحزاب، أمام المواطنين والصحافة، حول التشغيل والضرائب والدعم والأسعار ومصادر تمويل الوعود.
المواطن لا يحتاج فقط إلى أن يرى الأحزاب تحتشد؛ يحتاج إلى أن يسمعها تتواجه في الأفكار، وتجيب عن الأسئلة الصعبة، وتشرح كيف ستدير المال العام بعيدا عن لغة الخشب والتنصل من المسؤوليات.
وفي النهاية، أظن أن المواطن المغربي لا يطلب من الأحزاب أن تتخلى عن الطموح. هو يريد ببساطة أن تكون الوعود متصلة بحياته الحقيقية. ويريد وظيفة لا تنتهي بانتهاء برنامج حكومي. يريد أجراً يستطيع أن يعيش به، لا تعويضاً مؤقتاً عن ارتفاع الأسعار. يريد مستشفى يجد فيه العلاج عندما يحتاج إليه، لا وعداً ببناء مستشفى في أفق بعيد. ويريد أن يعرف لماذا يدفع أكثر عندما ترتفع أسعار الطاقة، ولماذا لا تنخفض الأسعار عندما تتراجع كلفة بعض المدخلات.
الانتخابات الحالية تكشف شيئاً مهماً: الأحزاب باتت أكثر سخاءً في الوعود، لكنها لم تصبح بالقدر نفسه أكثر صراحة في الحديث عن المفاضلات.
ومن السهل سياسياً أن نقول: سنرفع الدعم، ونخفض الضريبة، ونرفع الأجور، ونبني المستشفيات، ونخلق مليون وظيفة، ونستثمر أكثر، ونخفض البطالة.
الصعب هو أن تقول في الجملة نفسها: إذا لم تكفِ الأموال، فهذه هي الأولوية، وهذا هو الإنفاق الذي سنؤجله، وهذه هي الضريبة التي سنراجعها، وهذا هو العجز الذي لن نتجاوزه.
ذلك هو الفرق بين برنامج انتخابي يطلب الثقة وبرنامج اقتصادي يقبل المحاسبة.
وفي 2026، ربما يكون أهم ما يحتاجه المواطن ليس المزيد من الوعود، بل شيئاً أكثر بساطة وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: أن يعرف كيف ستتحول الوعود إلى حياة أقل ضغطاً، ومن سيدفع ثمنها أو يتحمل مسؤوليته على الأقل عندما لا تسير الحسابات كما تتمنى الأحزاب.
