العرائش نيوز:
في العاشر من شتنبر من كل سنة، يخلد العالم اليوم العالمي للوقاية من الانتحار، في مناسبة تعيد إلى الواجهة ظاهرة اجتماعية وصحية مقلقة، لا تزال تحصد آلاف الأرواح سنويا، وتترك آثارا عميقة على الأسر والمجتمعات.
وفي المغرب، تبدو الأرقام المتداولة مقلقة. فبحسب معطيات أوردتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، قدر عدد حالات الانتحار خلال سنة 2024 بحوالي 2650 حالة، أي بمعدل يقارب 7،2 حالات لكل 100 ألف نسمة، غير أن هذه الأرقام تظل تقديرية، في ظل غياب إحصاءات رسمية وطنية شاملة ومنتظمة تسمح بتحديد الحجم الحقيقي للظاهرة بدقة.
وعند وضع الرقم المغربي في سياقه العالمي، تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 700 ألف شخص يفقدون حياتهم سنويا بسبب الانتحار عبر العالم، بينما يناهز المعدل العالمي حوالي 9 حالات لكل 100 ألف نسمة، وبذلك يبدو المعدل المغربي المقدر بـ7،2 حالات لكل 100 ألف نسمة أدنى من المتوسط العالمي، لكن ذلك لا يعني أن الوضع أقل خطورة، خصوصا مع وجود تفاوتات كبيرة بين المناطق والفئات العمرية والجنسين، إضافة إلى احتمال عدم تسجيل جميع الحالات أو تصنيفها بشكل موحد.
وتبرز مناطق شمال المملكة بشكل لافت في المعطيات المتاحة، حيث تظهر جهة طنجة-تطوان-الحسيمة ضمن المناطق التي تستدعي الانتباه، فيما يظل إقليم شفشاون من أكثر المناطق التي تثير فيها الظاهرة القلق. وتشير معطيات برلمانية إلى تسجيل ما بين 30 و 36 حالة سنويا بالإقليم خلال بعض السنوات الأخيرة. ولا يمكن اختزال الظاهرة في سبب واحد، إذ تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وأسرية واقتصادية، إلى جانب العزلة والهشاشة وصعوبة الوصول إلى خدمات المواكبة النفسية، خاصة في بعض المناطق القروية والجبلية.
ويؤكد المختصون أن الوقاية تبدأ قبل الوصول إلى مرحلة الأزمة، من خلال الانتباه إلى علامات المعاناة النفسية، والاستماع إلى الأشخاص الذين يمرون بظروف صعبة دون إصدار أحكام، وتشجيعهم على طلب المساعدة من الأسرة أو من المختصين. كما أن كسر الصمت المحيط بالصحة النفسية يظل أحد التحديات الأساسية في المجتمع المغربي، في ظل استمرار نظرة اجتماعية تجعل البعض يتردد في الحديث عن معاناته أو اللجوء إلى مختص نفسي.
وتطرح الأرقام المسجلة في المغرب أسئلة جدية حول مدى توفر خدمات الصحة النفسية، وتوزيعها جغرافيا، وقدرتها على الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة، خصوصاً في المناطق التي تسجل معدلات مرتفعة من الظاهرة.
وفي اليوم العالمي للوقاية من الانتحار، لا يتعلق الأمر بالأرقام وحدها، بل بأسر ومجتمعات تتأثر بهذه الظاهرة. ومن ثم، فإن تعزيز الوقاية، وتحسين خدمات الصحة النفسية، وتوفير المواكبة المبكرة، وتسهيل الوصول إلى المختصين، تظل من بين الخطوات الأساسية لمواجهة الظاهرة.
خلف كل رقم إنسان وأسرة ومحيط اجتماعي، ولذلك فإن الإنصات والتدخل المبكر وطلب المساعدة ليست تفاصيل ثانوية، بل جزء أساسي من الوقاية.
