سوماتة و “الحاج فرانكو”

العرائش نيوز:

بقلم: عبد الصمد الشنتوف
بعد أن سئمنا طول الجلوس في مقهى وسط المدينة، عرجنا على شرفة الأطلسي لنتفرج على البحر. مشيت إلى جواره مسرورًا بحديثه، وكان الطقس صافيًا تتخلله نسمات دافئة.
ومن أعلى السور، وقفنا نرقب مراكب الصيد وهي تمخر عباب البحر، في مشهد يجسد بوضوح حقيقة الصراع بين إرادة الإنسان وقوة الطبيعة.
كانت المراكب تهتز وتقاوم رياحًا عاتية، وسط أمواج هائجة ترتطم بعنف بالشاطئ الصخري.
وفجأة، التفت إليّ صديق والدي بوجه مشرق، وقال:
— كان أبوك سيفخر بك كثيرًا، بل كان سيعتز بك أيما اعتزاز، لو كان لا يزال حيًّا بيننا.
استوعبت كلامه سريعًا، وأدركت ما كان الأستاذ يرمي إليه، فأجبته بهدوء:
— على الأقل، لم أنسَ فضله عليّ في رعايتي وتعليمي مبادئ اللغة العربية، فقد كان معلمي الأول في مدرسة ابن حزم بالعرائش. وسأظل وفيًّا له ما حييت، كما أن حبي له يتجاوز حدود الموت. لذلك، لم أتردد في إهدائه إصداري الأدبي الأول.

لا أعرف لماذا ألحقني أبي بمدرسة تبعد عن منزلنا مئات الأمتار، مع أن مدرسة ابن خلدون كانت الأقرب إلينا، ولم يكن الوصول إليها يستغرق سوى بضع دقائق. لم يكن عمري قد تجاوز الخامسة، ومع ذلك، كنت أرافق أبي إلى مدرستي الأولى قرب الميناء كل صباح، مرورًا بالمحطة الطرقية المكتظة بالتلوث وضجيج المسافرين.
كان أبي يتوقف قليلًا عند دكان «لحسن» ليمنحني قطعة من حلوى «الفانيد»، ثم يقذف في جوفه كأسًا من اللبن الطازج، على إيقاع صوت شجي لفيروز ينبعث من مذياع قديم مغطى بالغبار، وكأنه يستمد من ذلك جرعة من السعادة والصبر تعينه على تحمل مشاق التدريس.
وكان يحدث أن نصادف حافلة مهترئة تُدعى «فالينسيانا»، وقد انطلقت لتوها في اتجاه سوق بني عروس، مطلقة أزيزًا قويًا وسحابة من الدخان الكثيف خلفها. فيطل السائق «محلاها» من نافذة مكسورة، ملوحًا بيده اليمنى لأبي.
لم يكن السائق يخفي احترامه لأبي، فقد كان ينحدر من القبيلة نفسها، وكان يراه إلى جانب ذلك، أستاذًا وفقيهًا متواضعًا يحظى بمكانة خاصة لديه، حتى إنه كان يستفتيه، من حين إلى آخر في مسائل الميراث والشؤون الدينية عمومًا.
وكلما حلّ الصيف، كان يحجز لنا المقاعد الأمامية بعد أن ينهي أبي عمله في المدرسة، ثم يصطحبنا إلى بلدته في جبل سوماتة، ذلك الجبل نفسه الذي نشأ فيه، وحفظ فيه القرآن ومتون الألفية والآجرومية عن ظهر قلب، قبل التحاقه بمدرسة المعلمين بتطوان في مطلع عهد الاستقلال.

وما نكاد نأخذ مقاعدنا داخل الحافلة حتى يشرع أبي في سرد قصص من الزمن الماضي، مشيدًا ببطولات أبناء بلدته «الخربة». قلت في نفسي: لعله يصنع ذلك تجزية للوقت، وطردا للضجر الذي قد يطال أطفاله، إلى أن تصل الحافلة محطة “دار لويس” القريبة من قريتنا بقبيلة سوماتة.
وكنا، ونحن أطفال، نظل نصغي إليه بأفواه فاغرة حين يحدثنا عن تاريخ قبيلته في مقاومة الإسبان، متحسرًا بمرارة لافتة على أولئك الذين باعوا أنفسهم للاستعمار، ولربما كان يلعنهم في سرّه.
كان أبي قد انتقل من جبل سوماتة إلى مدينة العرائش في أواخر عهد الاحتلال الإسباني، غير أنه ظل حاملا قبيلته معه في رأسه ووجدانه إلى أن فارق الحياة. لم يكن يخامرني أدنى شك في أنه كان شديد الاعتزاز بوالده وجده، اللذين قارعا المستعمر بضراوة في المعركة الأخيرة التي أعقبها سقوط قرية «الخربة»، فسقط جده الشيخ عبد الله شهيدًا، فيما أصيب والده هاريز بجروح خطيرة.
وظل أبي ثابتًا على موقفه، يردد أن مجاهدي سوماتة كانوا على صواب حين تمسكوا بفتوى فقيه سوماتة الشهير، بن يرماق: «لا يجوز الخضوع لحكم النصارى مهما كلف الأمر»، رغم معارضة البعض الذين كانوا يرون أن القوة غير متكافئة، وأن الإصرار على المواجهة لن يفضي إلا إلى الهلاك. وكانت المحصلة بالفعل مأساوية.
لكن مع تعاقب الأيام، اشتدّ عودي، ونضج وعيي، وراحت الحياة تكشف لي شيئًا فشيئًا عن دروبها الملتوية وتناقضاتها الخفية.
ومضت سنون طويلة من غير أن أستطيع فك طلاسم التحاق عمي البشير بجيش فرانكو. وظل هذا اللغز يؤرقني كثيرًا، لا سيما أنه كان سليل عائلة مجاهدة قارعت الاستعمار الإسباني إلى آخر نفس. لطالما تساءلت في سرّي: ما الذي دفع بعمي البشير إلى الانخراط في حرب طاحنة تدور رحاها على أرض الآخرين؟ ولماذا حشر نفسه، بكل تلك الحماسة، في حرب أهلية لقيطة لا تعنيه في شيء؟
وذات يوم، استجمعت قواي، وتوجهت إلى أبي لأطرح عليه السؤال نفسه، لعلني أجد عنده إجابة شافية. قلت له:
— إذا كنت شديد التباهي بتاريخ قبيلتك، وتثني على مجاهدي بلدة «الخربة» لتمسكهم بفتوى العلامة بن يرماق، وكان ذلك كما يبدو يملؤك اعتزازًا بأبيك وجدك، فلماذا لم تؤاخذ عمك البشير على التحاقه بجيش فرانكو النصراني؟
لاذ أبي بصمت يشبه صمت القبور، ثم رد عليّ بجواب لم يخطر على بالي قط:
— كان فرانكو حينذاك قد دخل في الإسلام، وقام بتمويل بعثات رسمية مجانية للحجاج المغاربة إلى مكة، حتى أصبح يلقب ب “الحاج فرانكو”، ومن ثم أجاز الفقيه التطواني أحمد الرهوني القتال إلى جانبه درءًا لخطر الشيوعيين الكفار.
كنت قد رويت هذه الحكاية لبعض أصدقائي المثقفين، ومنذ ذاك الزمن، كلما جالستهم مستغرقين في الحديث عن بطون التاريخ، وجاء ذكر الجنرال فرانكو على لساني، أتبعته ب “رضي الله عنه”، فينفجر أصدقائي من شدة الضحك…
طنجة 12 شتنبر 2026


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.