القضاء يرفض طلب أداء دين يفوق 37 مليون سنتيم، ثابت بمقتضى كمبيالات بسبب بريد إلكتروني مفقود

العرائش نيوز:

الأستاذ ابراهيم الحداد: محام بهيئة طنجة

قضت المحكمة الابتدائية التجارية بالدار البيضاء بتاريخ 2026/10/7 برفض طلب أمر بأداء دين تبلغ قيمته 376522 درهم، ثابت في ذمة شركة بمقتضى ست كمبيالات بسبب غياب البريد الالكتروني، وبعبارة أدق بسبب تشريع عبد اللطيف وهبي الذي سوقه كعنوان لخدمة المواطن وتيسير ولوجه إلى العدالة.

فأي خدمة هذه التي قد يجد معها الدائن نفسه عاجزا عن سلوك مسطرة استيفاء دينه بسبب معطى إلكتروني لا يجد اليه سبيلا، وربما يكون غير موجود بالمطلق، لكون البريد الالكتروني ليس من البيانات الالزامية للتسجيل في السجل التجاري.
وأي إصلاح هذا الذي يفترض أن يقرب القضاء من المواطن، بينما قد تتحول مقتضياته إلى حواجز إجرائية تزيد معاناته وتضاعف كلفة الوصول إلى حقه؟

أي منطق قانوني هذا، وأي عدالة هذه التي تمنع دائنا من استيفاء دينه في مواجهة شركة أدلى بجميع معطياتها التعريفية من اسم وممثل قانوني وعنوان؟ وما هي القيمة المضافة التي سيقدمها هذا البريد الالكتروني المفقود؟ وما علاقة البريد الإلكتروني للشركة بوجود الدين الثابت بالكمبيالات؟ وما علاقته بصحة الالتزام التجاري؟ وكيف يمكن لمعلومة تواصلية أن تتحول إلى عقبة إجرائية تنتهي إلى رفض طلب يرمي إلى استيفاء حق مالي محدد؟

إن الشركة ليست مجرد عنوان إلكتروني، إنها شخص اعتباري له اسم قانوني، وممثل قانوني، ومقر، ومعطيات يفترض أن تسمح بتحديد هويته وتمييزه عن غيره. فإذا كان الدائن قد قدم هذه البيانات، فما المبرر العملي الذي يجعل غياب البريد الإلكتروني سببا كافيا لإجهاض طلبه؟
وإذا كان المشرع يريد تعزيز التبليغ الإلكتروني، فإن السؤال الذي كان ينبغي أن يطرحه هو كيف يمكن ضمان توفر هذه المعطيات وإتاحتها للمتقاضين بصورة موثوقة؟ لا أن يترك صاحب الحق أمام عبء البحث عن معلومة قد لا تكون منشورة، أو معلومة لا يستطيع التحقق من صحتها، ثم يحمل وحده نتيجة غيابها، دون مساءلة جدية عن التناسب بين هذا الإغفال والجزاء المترتب عليه.

إن أخطر ما يثيره هذا المستجد التشريعي ليس مجرد تعقيد مسطرة الأمر بالأداء، وإنما المساس بمبدأين أساسيين تقوم عليهما دولة القانون، الأمن القانوني والحق في الولوج إلى العدالة. فالأمن القانوني يقتضي أن تكون القواعد القانونية واضحة، ومتوقعة في آثارها، وألا يفاجأ المتعاملون بنتائج إجرائية لم يكن في مقدورهم توقعها عند إبرام معاملاتهم. فكيف يمكن مطالبة شخص أبرم معاملة تجارية، وتسلم كمبيالات تثبت دينه، واستوفى الاحتياطات التي كانت تقتضيها القواعد المعمول بها وقت التعاقد، بأن يتحمل لاحقا تبعات متطلب إجرائي مستحدث لم يكن يحتاط له؟ وكيف يعقل أن تصبح حقوق مالية نشأت في ظل قواعد سابقة مهددة بالتعطيل بسبب معلومة إلكترونية لم يكن الحصول عليها شرطا متوقعا عند نشوء العلاقة التجارية؟
إن عدم التمييز بين المعاملات السابقة واللاحقة لدخول القانون الجديد حيز التنفيذ، وعدم توفير حلول انتقالية واضحة، قد يفتحان الباب أمام اضطراب المعاملات وفقدان الثقة في استقرار القواعد القانونية.
أما الحق في الولوج إلى العدالة، فلا يتحقق بمجرد فتح أبواب المحاكم أمام المواطنين، بل يقتضي تمكينهم من عرض مطالبهم والحصول على الحماية القضائية الفعلية وفق شروط معقولة ومتناسبة.

‎لذلك، فإن التدخل التشريعي العاجل أصبح ضرورة لضمان وضوح المقتضيات المنظمة للبريد الإلكتروني، وتحديد مسؤولية توفيره وإتاحته، وإقرار حلول بديلة عند تعذر الحصول عليه، فضلا عن حماية الحقوق الناشئة عن معاملات أبرمت قبل دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، وفق مقتضيات انتقالية صريحة تحترم الأمن القانوني واستقرار المعاملات.

وفي انتظار ذلك أنصح عموم المواطنين والمقاولات بضرورة التعامل مع البريد الإلكتروني للأشخاص الاعتباريين باعتباره معطى ينبغي الحرص على الحصول عليه والاحتفاظ به قبل إبرام أي معاملة تجارية أو مالية.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.