أحمد نعمان قراءة في مقالة” القراءة التعسفية للقرءان الكريم”

أحمد نعمان قراءة في مقالة” القراءة التعسفية للقرءان الكريم”لصحبها عزيز قنجاع

             

أحمد نعمان

نص ” القراءة التعسفية للقرآن” للباحث عزيز قنجاع

ملاحظات على ملاحظاته بخصوص الفاعلية التأويلية الإسلامية

 نص “القراءة التعسفية للقرآن ..ملاحظات في إواليات التأويل من خلال الإعجاز العلمي في القرآن” هو النشاط العلمي الأخير الذي أتحف به الباحث عزيز قنجاع حقل القراءة الفلسفية/الإصطلاحية لموضوع جدير بالمزيد من الملاحظات /القراءات، ما دام الأمر يتعلق ب” استراتيجية القراءة ” التي لا يمكن تنزيه أي منها من التعسف، خاصة عندما يتعلق الأمر بقراءة من حقل مفاهيمي وسياق مغاير إلى حقل مفاهيمي وسياق آخر.. ولذلك وضعنا مفهوم ال ” نص” لدعوة القراءة التعسفية للقرآن، لما يحمله النص من خطاب يجب تفكيك عناصره لملامسة التعسف الوارد في كل خطاب. أما عناصر هذا الخطاب فيمكن إجمالها في مضمون النتيجة التي رست عندها قراءة الباحث،وهي كالتالي: ” تتميز الفاعلية التأويلية لدى جميع التيارات الفكرية الإسلامية باستدعاء عناصر فكرية حديثة معزولة عن سياقاتها التاريخية الغربية ليتم على أساسها ليّ عنق هذه العناصر لتنسجم وتجد ما يماثلها في الموروث التراثي، أو العكس من ذلك حسب الحاجة…” وكملاحظة أولى: يجب الإشارة إلى أن الأمر في ـ في الفاعلية الموسومة بالتأويل ـ أنها يمكن وسمها بالتفسير وليس التأويل، إذ شتان ما بين المنهجين ! إن على مستوى السياق الثقافي والمفاهيمي،أوعلى مستوى إواليات القراءة..فالتأويل في سياقه الغربي /الهيرمينوتيكي hérmineutique يروم البحث عن المعاني المتعددة ( بالمنظور اللساني/الدلالي) كنظرية في عمليات الفهم وعلاقتها بتأويل النصوص* أما التفسير في سياقه الإسلامي( كآلية استقرائية ) فيروم استخراج المعنى واستخلاصه من مظاهر كامنة لا يختلف في تحصيلها نتائجها تعدد القراءات..وهو منهج عمودي وأفقي  في منهج التفسير، إن على مستوى الفاعلية التراثية ( من الطبري حتى محمد عبدو) أوعلى مستوى الفاعلية الحديثة/الحداثية (من سيد قطب حتى مصطفى محمود).

أما الملاحظة الثانية: والمتعلقة بالجانب التطبيقي المنصب على تفسير مظهر من مظاهر الإعجاز القرآني/العلمي فهي ليست وليدة حساسية الفاعلية التراثية وإنما هي حساسية الفاعلية الحديثة ـ مطلع القرن العشرين خاصة ـ الذي شحذت فيه النزعة العلموية شحذا، بعد التفسيرات العلمية لداروين، التي نهضت بها “المدرسة الداروينية العربية” بزعامة شبلي شميل الذي دشن مقالاته في جريدة المقتطف بما يفيد “أن العلم هو أكثر من وسيلة لإكتشاف قوانين العالم ، بل مفتاحا لأسرار العالم وطريقة للعبادة..” مما جعل من الفاعلية الحديثة أن تشحذ،هي الأخرى،آليات النزعة المضادة، بزعامة محمود فوزي الذي دشن أول مقالاته في مجلة القاهرة تحت عنوان : ” الآيات البينات في علم النبات”** …إلخ ولهذا فضرورة تباعد السياقات واختلاف مشاربها ،حتى من داخل الثقافة الموحدة،له وجاهته في مفهوم القراءة وتنزهها عن التعسف، فسياق الفاعلية التراثية لم يعرف “صدمة النزعة العلموية” التي داهمت سياق التخلف ـ في الذات الإسلامية العربية طبعا ـ في مراحل قرونها الأخيرة التي بلغت ذروتها مع القرن التاسع عشر ،لدرجة أصبحت معها عنوانا للتخلف، وحضارة للإستباحة، وحقلا للدراسة ! فموضوع الإعجاز العلمي لم يكن ليستفز فاعلية التفسير التراثية لأن ” قهرية العلم” كانت هذه الفاعلية التراثية هي مصدرها ولم تكن مستقبلها(بكسر الباء)، كانت هي موضوعها ولم تكن موضوع دراستها، كانت هي الفاعلة فيها ولم تكن مفعولا به فيها..ومنتهى الإجتهادات العلمية،قبل النهضة الأوروبية، بلغت ذروتها مع هذه الفاعلية التراثية (الإسلامية) ومعها تحققت القهرية العلمية فكيف سيستفزها موضوع الإعجاز العلمي في القرآن؟ ! وبلغة حسن حنفي، كآخر دارس في سلسلة الفاعلية الذهنية الحديثة/الحداثية : أن عصر الجمود الغربي كان عصر الأنوار الإسلامي***

أما الملاحظة الثالثة : والمتعلقة بما وسمه الباحث ب “التناقض الذي يحكم آليات الفكر الأصولي، الذي لا تستخدم فاعليته الذهنية نفس المنطق وونفس المدارك اللغوية في تأويل النص القرآني فيما يخص النوازل المستحدثة في واقعنا السياسي والإقتصادي والإجتماعي..” فلست أدري متى يكون ليّ عنق النصوص في أجلى معانيه إن لم يكن على هذا المستوى؟ وإلا، هل يريد عزيز قنجاع من الفكر الأصولي(وهو اصطلاح جزافي نقبل به كمقابل للفكر الإسلامي المعاصر) كهوية وثقافة واختلاف، وإدارك لما ينفعه وما لا ينفعه، أن يستبدل الباسطيلي بالخبز اليابس ! بمعنى أن يقبل الفكر الأصولي بنتائج الفشل المتراكمة (في النظام الإقتصادي والتربوي خاصة) لكل ما يأتي من المنظومة الإجتهادية للفكر الوضعي المهيمن على حساب المنظومة الإجتهادية للفكر النصي المتسامي متنا وتحررا واستجابة لقانون الإختلاف على الأقل !وكأن هذه الفاعلية الذهنية لا تمتلك من بصائر الإدراك ما من شأنه أن يميز الخبيث من الطيب، لمجرد أن  استراتيجية الهيمنة تريد قسرا أن تنصهر كل الذوات في بوثقتها، على علتها وتأزمها ونتائجها التي إن كان عزيز قنجاع يجهلها فندله على أستاذة النقد الرافض للغرب (المنجرة  وتشومسكي وإدوار سعيد )إن لم يكفيه الواقع الميؤوس منه داخل هذه الإمبراطورية الشرّيّة (الغرب) بكل المقاييس! وهذا هو ما لم يقل به أي ناقد لخطاب الفكر الأصولي، بمن فيهم ناصر أبو زيد وأركون والجابري ،وحتى أمين العالم..وإنما تقول به إستراتيجية الخطاب الإتباعي التي يتزعمها هاشم صالح، الذي لا أدري كيف لم يستفد من أجهزة النقد الأركونية النزيهة رغم ترجمته لمعظمها !؟ وإلى حد ما الأستاذ العروي، ضمن استراتيجيته التاريخانية historisité المتعصبة !

وأخيرا أشكر الباحث عزيز قنجاع الذي انتشلني من عالم الجريدة إلى رحاب العلم لأراجع قليلا عدة هذا الحوار(الملاحظات) الذي من مفارقاته أنني أحتفظ في مكتبتي المتواضع  بنسخ مصورة لفصل مطول عن ” مهمة الهيرمينوطيقا” من كتاب ” الهيرمينوطيقا والعلوم الإنسانية” لpaul ricoeur أحتفظ بها منذ زمن طويل.. عندما فتحت النسخ المطوية وبسطتها على المنضدة أثار انتباهي وجود تلك الحشرة التي تقتات من عتاقة أوراق الكتب وهي متسمرة تتجسس على سكوني وأنا اتملاّها قليلا حتى عندما بدأت حركاتي تيقنت هي أنني في شغل عنها فلاذت مسرعة بالفرار !هل كانت تؤول سكوني أم كانت تفسره كمظهر من مظاهر التفسير؟ والله إن هذا لهو السؤال الذي طرحته على نفسي قبل خط الحرف الأول في هذه المحاولة المتواضعة.

*  ” مهمة الهيرمينيوطيقا ” مجلة نوافذ عدد22/ 2002.

**كتاب ” الإتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة” علي المحافظة، دار الاهلية للنشر والتوزيع، بيروت 1983

 *** من كتاب” مقدمة في علم الإستغراب” حسن حنفي الطبعة الاولى 1992.

**** “إمبراطورية الشر” مصطلح ماركسي.. ولما كانت الماركسية تتعامل مع الغرب الرأسمالي بالحذر من شره استطاعت أن تقف ك “ذات” ثابتة متشبثة بمنظومتها، وبفاعلية القرّاء الماركسيين للوضع الإنساني عامة، وليس بالذوبان والإنصهار في إمبراطورية الشر !أليس كذلك؟  

أحمد نعمان


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.