العرائش وما أدراك ما العرائش

العرائش نيوز:


العرائش وما أدراك ما العرائش


بقلم: ياسر الطريبق 

 

مدينة العرائش كانت دائما، ومنذ قديم الأزل، متميّزة بطابعها الخاص الذي يجمع بين جمالية المكان وحركية الزمن التاريخي بما سجّله من أحداث وتطورات، وقد عرفت منطقة العرائش خاصة بعدد من المعارك الكبرى التي قامت خلالها السلطة المحلية بمواجهة الجيوش المستعمرة التي لم تفتر عن اجتياح أراضيها (جيوش الرومان قديما وجيوش البرتغال وإسبانيا حديثا)، فكانت العرائش أو “ليكسوس” سابقا دائما نابضة لا تنضب بملاحمها الخالدة وتاريخها الطويل الذي سجّل باعتزاز استعصاء المدينة بنواحيها عن الخضوع للجيوش المستعمرة بقوة السلاح اللهمّ إلا في بعض الفترات القصيرة كتلك الفترة التي دامت منذ تنازل السلطان محمد الشيخ عن المدينة سنة 1610م للملك الإسباني فيليب الثالث إلى أن استرجعها المولى إسماعيل في نهاية القرن السابع عشر لتبقى منذ ذلك التاريخ حصنا حصينا للدولة العلوية في مواجهة الحملات العسكرية الإيبيرية قبل أن يتم توقيع معاهدة الحماية بين فرنسا وإسبانيا، والتي تسلمت هذه الأخيرة بموجبها سلطة الوصاية على منطقة شمال المغرب ومن ضمنها العرائش.

على إثر حصول المغرب على استقلاله في أواسط الخمسينات، عرفت مدينة العرائش أحداثا أخرى استثنائية وكبيرة الأثر بحيث لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، حينها شهد العرائشيون إحدى أخطر المحطات وأكثرها دموية في تاريخ المغرب حيث خرجت الأوضاع الأمنية عن سيطرة الإدارة الترابية جديدة العهد أو أريد لها ذلك، فقامت بعض العصابات من جحورها واستولت على المدينة وساكنتها واغتالت منهم الكثير وأحرقت بعضا منهم في باب المدينة بدعوى اعتبارهم أتباعا للقائد الريسوني الذي كانت تربطه علاقة مصلحية عابرة مع المستعمر الإسباني قبل أن يخرج من المدينة هاربا على متن جواده إلى سبتة المحتلة ليلتحق بإسبانيا سالما وغانما، ويُحكى من بين ما يُحكى أن تلك الحملة المسعورة أودت بالكثير من الضحايا والمساكين الذين كانوا يعملون كموظفين عاديين لا علاقة لهم بالمستعمر الإسباني من قريب أو من بعيد، كما تم الإعتداء على بعضهم في قلب تلك اللّخبطة من أجل تصفية بعض الحسابات الشخصية أو المادية لا غير، فكانت أواخر الخمسينات وصمة عار على المدينة وساكنتها إلى يومنا هذا.

مرّت الأيام بعدها كما كان لابد لها أن تمرّ فاندمجت المدينة بساكنتها في مسيرة بناء المؤسسات وعادت الأجواء إلى طبيعتها في صفاء وإخاء رغم أن بصمات القتل والانتقامات بقيت حاضرة في أذهان العرائشيّين، إلا أن شعور الثقة في المستقبل والأمل في تشييد مغرب جديد حرّ ومُستقل كانا أقوى من مشاعر الحسرة والغضب على ما فات من آفات.

ومع انخراط ساكنة العرائش في مسلسل بناء مؤسسات الدولة، مرّت الأجواء السياسية في المدينة خلال سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات مثلما مرّت في كافة أرجاء المغرب تقريبا حيث كانت السلطة الحاكمة في شخص وزارة الداخلية تتحكم في كل شيء في المدينة والإقليم سواء تعلّق الأمر بالموارد المالية أو بالخريطة الانتخابية في الوقت الذي كانت فيه الأحزاب الوطنية الكبرى الحُبلى بآمال الإصلاح (الإتّحاد الاشتراكي وحزب الإستقلال) تعيش على وتيرة مشاكل تنظيمية لا تنتهي وصراعات طاحنة فيما بينها استنزفتها أكثر ممّا ساهمت في تحقيق ما هو مطلوب منها، ورغم ذلك فقد كان سكان العرائش يتعاطفون مع هذين الحزبين على وجه الخُصوص، وكان من نتائج ذلك التعاطف اكتساح حزب الاستقلال لنتائج انتخابات المجلس البلدي سنة 1983 ليشكل مجلسا جماعيا استقلاليا خالصا، لكن ذلك المجلس، وإن كان يمثل الخريطة السياسية الحقيقية لمدينة العرائش، فقد فشل فشلا ذريعا في تسيير المجلس بسبب ظروف السيطرة المخزنية التي كانت تصل إلى حدّ المُضايقة والتّهميش من جهة وكذا بسبب سلبية أغلب المستشارين الإستقلاليين وإنغماس بعضهم في مستنقع الفساد الإداري اللّهم إلاّ من رحم ربُّك، فكانت تلك التجربة بمثابة الإنطلاقة الكُبرى لمُسلسل التّطبيع مع الفساد الإداري والسياسي والإقتصادي في مدينة العرائش. 

بعد تلك المرحلة، برزت في الأفق سياسة انتخابية جديدة اعتمد عليها أعيان الأحزاب التي توالت على رئاسة المجلس البلدي لمدينة العرائش خصوصا حزب التجمع الوطني للأحرار الذي تحمّل وزر الجماعة لولايتين متتاليتين بقيادة السيد عبد الإله أحسيسن، إذ ذّاك بدأنا نُلاحظ تنامي أحياء البراريك وتوسّعها بشكل غير عادي، وكانت الحملات الانتخابية هي المحرّك الأساسي لتلك البراريك فكان المرشّح الانتخابي يشتري أصوات سكان البراريك، الّذين يُعانون من التّهميش، بأبخس الأثمان ويعدهم زيادة على ذلك بعدم ترحيلهم من تلك الأحياء العشوائية وبتزويدهم بصنبور ماء لكل حي وهكذا دواليك إلى أن تغيّرت معالم المدينة بشكل كليّ وتحولت من تلك المدينة الساحلية الصغيرة والجميلة إلى قرية كبيرة مليئة بالفوضى والعشوائيات.

لقد كانت مدينة العرائش في بداية الثمانينات مزدهرة بطابعها المحافظ ونقائها النسبي ونموها الاقتصادي التدريجي الذي كانت تغلب عليه الأنشطة الفلاحية والبحرية وبعض المنشآت الصناعية، كما كانت المدينة تتوفر على هوية معمارية خاصة ومتميّزة تجمع بين الطابعين الإسباني والإسلامي المغربي وكان الجزء الحديث من المدينة _وهو الجزء الذي بناه الإسبان خارج أسوار المدينة القديمة_ يتوسّع بشكل مُعقلن ومُتحكّم فيه لا يمس جمالية المدينة إلا نسبيا وفي بعض الحالات الخاصة، وكانت المدينة تتوفر كذلك على ثلاث قاعات سينمائية ومسرح كبير (مسرح إسبانيول) وعدد من الحدائق المصونة والمحروسة. أما اليوم، فقد انقرضت القاعات السينمائية من المدينة وأُغلق المسرح الوحيد الذي كانت تتوفر عليه وتحولت الشوارع إلى حقل ملغوم بالحُفر والمطبّات وكبرت مساحتها وعمرت بالبنايات العالية والغريبة في كل الأحياء والدروب دون احترام لأدنى معايير الجمالية كما تدهورت حالة الحدائق فصارت المدينة كمدينة أشباح وإن كانت عامرة بالسكان. هذا هو واقع الحال بمدينة العرائش اليوم أصفه إليكم دون تنميق أو تزويق وقد كنت شاهدا على تطوّره منذ بداية وعيي في بداية الثمانينات (مرحلة الطفولة) إلى اليوم، لذلك فأنا أتحسّر وأتذمر وأنا أرى مدينتي الغالية ومسقط رأسي تتشوّه وتتحول من حالة التحضّر أو التمدّن إلى حالة اللاّنظام والفوضى العارمة.

في ظلّ هذا الوضع، أفرزت نتائج الانتخابات الجماعية الأخيرة (انتخابات 2009) مجلسا بلديا جديدا برئاسة حزب العدالة والتنمية لأول مرّة في تاريخ المدينة، لكن حالة المدينة لم تتغير قيد أنملة بل إنها زادت إنحدارا وتدهورا وبقيت سمات المُعاناة والتهميش والسُّخط تُلاحق الساكنة التي يسودها إحساس شامل اليوم بأنها تعاقب عقابا جماعيا، وأما تهمتهم فهي غير معلومة، تصلهم فقط بعض الإشاعات التي تقول إن المدينة مغضوب عليها من الجهات العليا لكنني متأكد من شيء واحد هو أن لوبيات الفساد في المدينة تفضّل أن يبقى الحال على ما هو عليه بل إنها تعمل جاهدة لمحاربة وإبطال كل محاولة لتنمية المنطقة وفرض تطبيق القوانين العامة، وهو شيء طبيعي مادام سكان المدينة صامتون لا يتحركون وقد هاجرها جلّ شبابها إلى جهات ومدن أخرى بحثا عن النجاح والتوفيق في حيواتهم الخاصة خصوصا منهم ذوي الكفاءات والشواهد التعليمية بينما تزخر مدينتهم بالموارد الطبيعية والأنشطة المدّرة للأرباح، تلك الأرباح التي تملأ جيوب الفاسدين والمضاربين في شتى المجالات سواء تعلّق الأمر بمجال الصيد البحري أو البناء والأشغال العمومية أو غيرها من المجالات الساطعة والمستترة.

لذلك لا يسعنا إلا أن ندعو الله أن ينقذ هذه المدينة بساكنتها مستقبلا من كثرة البلاء والفساد ويقيها من الأخطار والفتن كتلك الفتنة التي أصابتها يوم 20 فبراير 2011 حين أحرقت المدينة بكاملها على يد عصابات متخصّصة في الدمار والسرقة، ولعلها كانت خطة مدبّرة بإتقان لإخافة الناس من تداعيات الخروج إلى الشارع للإحتجاج، وما رجاؤُنا إلاّ في الله سبحانه ما دام كبار المسؤولين في هذا البلد غاضبون على المدينة أو لرُبّما هم غاضبُون من أجلها.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.