العرائش نيوز:
يا زُعماء الأحزاب السّياسية رجاء إحترموا هذا الوطن !
عبد النبي التليدي
لقد أوكلت الدساتير المتوالية بعد استقلال المغرب ومنها دستور 2011 الأحزاب السياسية دورا محوريا في الحياة السياسية الوطنية إذ تعمل على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة…
فهل استحقت أحزاب المغرب هذا التبوُّء في الدستور وقامت بالحرص على هذه الأمانة وتحمل مسؤولياتها التي أناطها بها؟
لقد كان صدور دستور 2011 ثمرة من ثمرات حركة 20 فبراير 2011 التي أينعت في خضم ما يسمى “بالربيع العربي” بعد أن رفعت شعارات خرجت من واقع المجتمع المغربي الذي تاق التغيير من أوضاعه الفاسدة التي أوجعته، السياسية والإجتماعية والاقتصادية سرعان من التقطها ملك البلاد، فكان خطاب 9 مارس 2011 الذي وعد فيه بدستور الجديد للبلاد.
فكان دستور 2011 الذي أتى مغايرا لما سبقته من دساتير ومتقدما عليها في الشكل والمضمون لم تستطع الأحزاب السياسة حتى التعبير عن الطلب بها أو كانت تحلم بتحقيقه.
وبهذا التفاهم بين الشعب التواق إلى التغيير ومحاربة الفساد والملك الحريص على إستقرار البلاد تحقق الإستثناء المغربي الذي قطع الطريق عن مثل ما عرفته دول تونس ومصر وليبيا واليمن وما تعرفه سوريا ومازالت تعرفه كل هذه الدول من مشاكل لا حصر لها، وهو التغيير في إطار الإستقرار والإستمرار.
فكان الإستفتاء على الدستور بنسبة مرتفعة من المصوتين رغم ما قيل فيها، لكن بالإحتكام بالتصويت كوسيلة أساسية في الديمقراطية.
وكانت الإنتخابات العامة للبرلمان الذي أفرز خريطة سياسية جديدة فاز فيها حزب العدالة والتنمية بالرتبة الأولى لذلك إلتزم الملك بتعيين زعيم هذا الحزب رئيسا للحكومة عملا بالدستور الجديد والذي قدم بدوره للملك وللشعب الذي صوت أغلب الناخبين منه على حزبه حكومة إئتلاف ضمت إضافة إلى حزبه أحزاب الإستقلال والحركة الشعبية والتقدم والإشتراكية.
فهل كانت الأحزاب السياسية أغلبية ومعارضة في مستوى هذه المرحلة وما تطلبته من تنزيل لمحتوى الدستور الجديد ومن محاربة للريع السياسي والإداري وحلول للأوضاع الاقتصادية التي عاث فيها الفساد واستشرى وانعكس سلبا على الأوضاع الإجتماعية في كل مناحي الحياة، من “الصّحة” التي تكشف عن أوضاعها المزرية ما يسمى بالمستشفيات وما هي بمستشفيات بل بمقابر وأطلال، و”التّعليم” الذي صار حقل تجارب فاشلة ومضاربة مفضوحة لإستنزاف أعلى نسبة من الميزانية العامة للدولة، و”عدل” غير متوفر على شروط العدالة المحترمة سواء في البنايات المهترئة أوالمكاتب المكتظة ووسائل العمل الغير المتطورة مما أثر على جودة الأحكام الذي أصبح 70% من المغاربة يعتقدون أنه قضاء فاسد وإنخفاض نسبة النمو وعجز في الميزانية، إضافة إلى ارتفاع نسبة البطالة وانتشار الجريمة وتفشى الرشوة والمحسوبية.
إن الأحزاب السياسية في الحقيقة لم تكن أثناء هذه الفترة وبعد هذه المرحلة الفارقة في مستوى تطلعات الشعب المغربي الذي كان يحلم بالديمقراطية الحقيقية في تسيير دواليب الدولة ومؤسساتها سواء داخل البرلمان أو خارجه حتى أصبحت بعض جلساته تثير تساؤلات عن الجدوى من إنتخابه أصلا مادام أعضاؤه لا يمارسون سلطاتهم التشريعية ولا يمثلون إلا أنفسهم (بالتبناذ) في كراسيه وبالعنترية في دوائر إنتخابهم.
إن الأحزاب السياسية المكونة للبرلمان وللحكومة إنشغلت بما لم يُجد نفعا البلاد والعباد وحاذت عن صوابها بعد تغليبها الذاتية عن الموضوعية والبرامج.
فالحكومة الجديدة والحق يُقال أبانت عن جديتها في التعاطي الأخلاقي والصحيح مع الملفات الكبرى المختلفة ومنها محاربة الفساد، لكن بعضا من مكوناتها يا عجبا، أصبحت تلعب من داخلها دورا معارضا لبرنامجها مدفوعة الثمن والوعود من مكونات أخرى رأت في سياسة الحكومة خطرا على ما راكمته من أموال ومصالح خيالية مما اضطر رئيس الحكومة إلى أن يشبهها (بالتماسيح والعفاريت).
وفي هذا الإطار وتدعيما لهذا التوجه تم وضع عبد الحميد شباط على رأس حزب الإستقلال وإنتخاب إدريس لشكر على رأس حزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية ودخلا في صراع حاد مع رئيس الحكومة ما لبث أصبح صراعا شخصيا وذاتيا بعيدا عن الأخلاق السياسية وعن الأساليب المألوفة في التعاطي مع الشأن السياسي وبالتالي الإبتعاد عن مصلحة الوطن والمواطنين.
وانشغل هذا بذاك وتوقفت عجلة الإصلاح وخابت ظنون الناس الذين وجدوا أنفسهم أخيرا أمام (سيرك) وسط شارع محمد الخامس بعاصمة البلاد الرباط لم يسبق هذا الشعب أن رأى مثله في مقدمته حمار وضعت فوق رأسه لافتة مكتوب عليها “أفهمتني ولا لا” تتبعه حمير أخرى.
لم أصدق أن يكون بين المتظاهرين في هذه المسيرة الفريدة من نوعها في تاريخ المغرب الأستاذ الجامعي الحبيب المالكي والدكتور الطيب المناضل عبد الحميد بوزبع والشاب الذي كنت أعرف فيه شعلة من الذكاء والحيوية ومثالا للجرأة عبد الكريم بن عتيق، وكان يمكن أن يكون بينهم الأستاذ والمحامي إدريس لشكر رغم حزب المهدي وعمر وبوعبيد لولا إلتزامه لحسن حظي بموعد تنظيمي.
إذن اقتربت الساعة! ولم تبق إلا الثورة على هذه الأحزاب التي أهانت الشعب المغربي إهانة لم يسبق لها مثيل بعد إنسياقها وراء شباط الذي اعتمد (أسلوبا منحطا ومهينا لحزب الإستقلال ولمناضليه وشهدائه ومسيئا لمبادئ حزب الإستقلال الذي ناضل عبر تاريخه لإعطاء مصداقية للفعل السياسي الوطني) كما عبر أحد قياديي هذا الحزب ساقطا ومعتذرا.
نعم أصبحنا نخاف على هذا الوطن من هذا السلوك وعلى مستقبل أطفالنا فيه باعتبارنا قدوة لهم، فرجاء احترموا هذا الوطن.
