العرائش نيوز:
أيها المواطنون: لا تلدوا الخدج في المصحات
لنترك الملك الآن وشأنه، ولنترك بنكيران ومزوار وشأنه، ولنترك علي أنوزلا في زنزانته الانفرادية دون كتب ودون مصحف قرآن، ولنترك بوبكر الجامعي وشأنه هناك خارج الحدود، ولنترك الأمير مولاي هشام وشأنه كذلك ولنترك الأسئلة الكبيرة التي حامت حول الفيديو المنسوب قسرا لتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، لنترك كل هذا جانبا، ولو إلى حين، ولنتحدث عن ما يقلق الناس حقيقة، في حياتهم اليومية وفي معيشهم اليومي..
الصدفة قادتني لتقديم مساعدة لصديق أوشكت زوجته على الوضع، كانت حامل في أسبوعها الرابع والثلاثين، ولها في بطنها الخصبة توأمين، بما يعني أن الوليدين سيكونا خديجين، وأن العملية ستستلزم وضعهما في حضانة اصطناعية إلى حين اتمام كامل نموهما…
الأمور إلى حد هنا عادية، حاولنا التحدث إلى الطبيبة المشرفة عليها، لكن هاتفها كان مغلق… من حق الطبيبة أن تنعم بالراحة رفقة عائلتها في منتصف الليل… لكن يُطرح السؤال عن واجبها اتجاه المرضى الذين تشرف عليهم، وما إن كان هناك قانون يلزم الأطباء للاستجابة إلى نداء الإغاثة التي يوجهها مرضاهم ولو في ساعات متأخرة من الليل… لا حلول عملية تبدو لي، لكن متأكد بحكم الاستلاب الذي أعاني منه، أن أجزم بأن في بلاد الغرب الكافر، وجدوا حلولا لهذه المواقف والتي قد تكون مميتة…
مع تعذر الاتصال بالطبيبة كان لا بد من التوجه إلى أقرب مصحة في مدينة سلا، المقام الجميل beau séjour ، لا وجود لطبيب الحراسة، الممرضة القابلة وحدها من تكفلت بفحص زوجة الصديق التي تتضور ألما، حين عرفت أنها حامل بتوأمين، وأنهما قد يحتاجا إلى حاضنة اصطناعية، امتنعت عن استقبالها لتوليدها ونصحتنا بالتوجه إلى العاصمة الرباط…
التوجه إلى العاصمة ليس مقصورا على الدواوير المحيطة بهضبة زمور، أو تلال زعير، حتى القاطنين في سلا، يكونون ملزمين بالتوجه إلى العاصمة، لأن أكبر مصحة طبية فيه، وأقدمها، وربما الوحيدة إلى عقود أخيرة، تتوفر على قسم الولادة كبير، ولا تتوفر على أجهزة لإنعاش الخدج، ولا إلى حاضنات كي يكتملوا نموهم فيه…
كانت الوجهة نحو مصحة البستان، مصحة عصرية يشرف عليها مجموعة من الأطباء، ساترك للقراء الكرام فرصة توصيفهم، كي لا نسقط في المحظور القضائي الذي لا طاقة لنا به في هذه الظروف…
الساعة تشير إلى الواحدة صباحا، حين استقبلنا موظف مكتب التوجيه، شرحنا له وضع السيدة، كيف أنها حامل وأن في بطنها توأمين قد يكونا خديجين، زوجة الصديق تبكي ألما وملامح الوضع بادية على محياها، والموظف بآلته الحاسبة يعد لنا المصاريف المحتملة، بين تكلفة العملية القيصرية، وهزالة التغطية الصحية التي يوفرها التأمين لها كموظفة عمومية، شرح لنا أن القيمة الإجمالية قد تتجاوز المائة ألف درهم، وأن على الصديق أن يضع شيكا بقيمة المبلغ قبل مباشرة أي عملية فحص أو توليد… المبلغ خرافي، وزوجة الصديق تتألم… شرحنا للموظف أن ما هو بصدد القيام به لا أخلاقي ولا يتماشى ومهنة الطب النبيلة، ذكرناه بملف القاضي المجدوبي الذي توفي لأنه لم يستطع جلب دفتر الشيكات من سيارته وايداعه صندوق مصحة القلب التي فاجأته بها أزمة قلبية، وكيف تحولت قضيته إلى قضية رأي عام…. الموظف الذي يبدو أنه لا يطالع الجرائد، ولا يعرف قضية القاضي المجدوبي، ولا قضايا أخرى أكثر شهرة منها، ينظر إلينا باستخفاف…. ويمتنع عن تقديم المساعدة ما لم نتفق على إجراءاته…
لا ندري إن كانت وزارة الصحة تراقب اثمان هذه المجازر، لكن على الأقل عليها أن تراقب الحالة النفسية للعاملين فيها، وأن تراقب أساسا المسلكيات الطبية الممارسة فيها…
في لحظة اضطرار بالتأكيد، لكنها مشفوعة بإيمان عميق بأن في القطاع العام هناك من يتمسك بضميره كمن يتمسك بتلابيب لباسه، قررنا التوجه إلى قسم الولادة بمستشفى ابن سيناء، زوجة الصديق تتألم وتمتعض ايضا لأنها اضطرت إلى الذهاب إلى مستشفى عمومي… بالتأكيد أنه لظروف الضغط وقلة الوسائل، لم يكن استقبالنا بالبشاشة التي يستقبلك بها موظف المصحة، قبل أن يكتشف أنك لست بالغنيمة التي يحلم بها، لكنهم أدخلوها إلى قسم الولادة، فحصوها دون أن يسألونا عن الشيك وضرورة ايداعه في صندوق ما… في هذا الصباح، أجرت عملية قيصرية، خرج على إثرها الوليدين… لم يكونا خديجين كما أوهمونا في المصحتين… لم يضطر إلى دفع المائة ألف درهم…
من خلال كل هذا، يجب الانتباه إلى ما يلي:
هناك مآسي عميقة تتسبب فيها المصحات، ومافيات الأطباء التي تشرف عليها…
المصحات تمسك الشيكات على سبيل الضمان، وهي جنحة يعاقب عليها القانون، والنيابة العامة لا تحرك ساكنا….
بعض الأطباء يقررون إجراءات طبية غير ضرورية، لاستغلال المرضى بأشكال بشعة…. حالة وضع الخديجين في الحاضنة والتي تكلف حوالي 2000 درهم للطفل الواحد ولليلة الواحدة ولمدة ثلاثة أسابيع… ولا توجد أي جهة لمراقبة هذا الإسراف في الإجراءات الطبية غير الضرورية…
وأخيرا، لا يمكن سوى التنويه بالأطقم الطبية التي اعتصمت بالقطاع العام، نعذر تجهمهم في وجهنا للضغط الذي يمارس عليهم… وليعذروا عصبيتنا في ذات اللحظة للضغط الذي يولده الألم فيمن نحب… لهم منا كل الحب والتقدير وواجب الثناء…
عن “كود”
