نساء رائدات على مرّ التاريخ:1- فاطمة الفهرية

العرائش نيوز:

نساء رائدات على مرّ التاريخ:1- فاطمة الفهرية

هي فاطمة بنت محمد بن عبد اللَّه الفِهري القيرواني، وتُكنى بـ”أم البنين”، أصولها من القيروان غير أنها شبّت وتزوجت واستقرت بعدوة القرويين بفاس أيام حكم إدريس الثاني. توفي والدها ثم توفي زوجها وأخوه فورثت منهم مالا كثيرا، أرادت الفهرية أن تستثمره في مشروع هادف يثقل ميزان حسناتها.

 

لم تتوجه أم البنين وأختها مريم إلى حياة البذخ والثراء، بعد أن ورثتا من أبيهما مالا وفيرا، بل فكرتا في شيء يعود على أبيهما وعليهما بالنفع والخير الوفير، فتوجهت فاطمة إلى مسجد القرويين بمدينة فاس مقررة توسعته ليسع المصلين  وطالبي العلم، فضاعفت مساحة المسجد بشراء الأراضي المحيطة به،  وبذلت مالها وتبتلت لربها بصدق، فظلت صائمة محتبسة إلى أن انتهت الأشغال واكتمل بناء المسجد في أول رمضان، سنة 245 من الهجرة كما ذكرت كتب التاريخ، وصلّت فاطمة الفهرية صلاة شكر وامتنان لما أنعم الله عليها به من فضل وعطاء ووفقها لبناء معلمة القرويين التاريخية التي تخرج منها كبار العلماء والفقهاء والمحدثين، والتي لازال يحج إليها طلبة العلم من كل بقاع العالم وهو أول معهد ديني وأكبر جامعة عربية في بلاد المغرب الأقصى، شأنه في ذلك شأن مسجد الأندلس التي بنته شقيقتها مريم، ولا غرابة في ذلك فقد شربتا من معين واحد وتلقتا تربية سليمة، فكانت ثمرة مريم مسجد الأندلس بمدينة فاس والذي لعب دورا رائدا في خدمة الإسلام والمسلمين .

 

ما لبث جامع القرويين أن صار الجامعة التي تعلم منها أهل الأزهر و تخرج منها كل علمائه قبل أن يتأسس الأزهر الشريف، الجامعة التي كانت أساسا لتعليم كل مدرسي مفكري العالم بأسره وليس العالم العربي فقط. صار جامع القرويين قبلة لحلقات العلماء يجتمع حولها طلاب العلم،  يتدارسون ألوان العلوم والآداب كالشريعة والتاريخ، والنحو، والجغرافيا، والحساب، والطب، والكيمياء، والمنطق، و قواعد الموسيقى، والطبيعة والهندسة وغيرها. وحسب كتب التاريخ، فقد تخرج منها علماء كبار و زارها الشريف الإدريسي ومكث فيها مدة كما زارها ابن زهر مرات عديدة ودوّن فيها النحوي ابن آجروم كتابه المعروف “المقدمة الآجرومية’. ومن العلماء الذين جاؤوا إلى فاس من شتى البقاع ليدرسوا بجامعتها لسان الدين بن الخطيب، وابن عربي الحكيم، وابن مرزوق، والشيخ محمد بن علي السنوسي، وعبد الرحمان بن خلدون المؤرخ ومؤسس علم الاجتماع.

توفيت هذه المرأة العظيمة المجاهدة   سنة 266 هـ وخلفت وراءها معلما خالدا للعلم والدين على مر العصور ببركة قوة إيمانها وصدق نيتها، وشهد توسعات وترميمات وعناية خاصة من قبل الملوك الذين تعاقبوا على حكم المغرب.
قال عنها ابن خلدون: “فكأنما نبهت عزائم الملوك بعدها، وهذا فضل يؤتيه لمن يشاء من عباده الصالحين، فسبحانه وتعالى إذا أراد لأمة الرقي والرفعة وأذن لها بالسعادة الغامرة أيقظ من بين أفرادها رجالاً ونساء، شباباً وشيوخاً، أيقظ فيهم وجداناً شريفاً وشعوراً عالياً يدفعهم للقيام بصالح الأعمال وأشرفها”.
لاتزال رسالة العلم مستمرة بهذه الجامعة إلى يومنا هذا وصارت على شكل كليات اقتصر اهتمامها حاليا على اللغة والدين وهي : كلية الشريعة بفاس و كلية اللغة العربية بمراكش وكلية أصول الدين بتطوان وكلية الشريعة بأكادير.

 


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.