العرائش نيوز:
حديث الخميس: من مذكراتي…
بأسلوب سلس و راقي، و بكلمات توحي بنبض قلب تعلّق و لا زال بذكريات أبت أن تنمحي، تحلّق بنا الأستاذة نزهة بنادي بركة عبر سماء أوراق من مذكراتها، تدخلنا إلى عالم مليء بالكتب و القصص و الشعر و الشعراء، حيث ستتقاسم معنا أحاسيسها و مشاعرها، حصريا على صفحات جريدة العرائش نيوز. و كل ثاني خميس من كل شهر سيكون لقرائنا الأعزاء لقاء مع ورقة من الذكريات الشيقة للمبدعة نزهة بنادي…
الورقة الأولى
بقلم: نزهة بنادي
بعد المدرسة كانت مكتبة والدي حفظه الله ورعاه عالمي الجميل والمفضل .. مكتبته التي تحتوي على مطبعة لطبع الكتب بالعرائش الهادئة ..لقد كانت عالمي المفضل لأني كنت أجد متعتي في بيع الكتب، وأحفز كل من زار المكتبة على قراءة سير الصحابة ،صحيح البخاري ومسلم .. أشعار المتنبي وأبي العلاء ..كتب جبران خليل جبران والمنفلوطي، وغيرها من الكتب المختلفة… متعتي التي أحدثكم عنها كبرت ذات يوم حين اشترى والدي عددا كبيرا من بطائق المعايدة بمناسبة رأس السنة وكانت مستوردة من “ملقا الإسبانية” ..كنت أستمتع ببيعها وأستمتع بكتابة التهنئة لمن يشتري بالمجان، وأذكر أن والدي حين رأى صف الانتظار الطويل علق باللسان الدارج:”بعنا واشرينا بكري” لكني استطعت أن أغير رأيه في طريقة بيعي حين نفدت كل البطاقات الجميلة عند المغيب،الشيء الذي جعله يختارني ويكلفني ببيع كتب لأسماء عرائشية كان يوليها مكانا بارزا في مكتبته..
هناك أيضا، كنت ألتقي بمجموعة من الأدباء والصحافيين الذين يفدون علينا لتصحيح أعمالهم قبل طبعها..كنت جد سعيدة بمعرفتهم عن قرب، وكنت محظوظة أقرأ لهم قبل الآخرين، كما كنت أتعرف على كبار الساسة والمناضلين أثناء الحملات الانتخابية ..مما ساهم في تكوين شخصيتي بشكل مباشر في سن مبكر، بل إن الكثير منهم اقترح علي الانخراط في العمل السياسي وكان أولهم المناضل التقدمي “علي يعتة”، بعده الأستاذ “عباس الفاسي” لتأتي اقتراحات أخرى من أسماء لاتقل وزنا عنهما .. كنت أشاركهم الآراء والاقتراحات بثقة و دون خجل، وإن كانت المرأة شبه غائبة عن الحقل السياسي آنذاك ..
وأذكر أني جالست مرارا سفير دولة السويد السابق، الذي كان الوالد تكلف بطبع كتاب له وقتها وهو أستاذي الراحل” سي محمد قنوت” الذي عشق العرائش وسكنها إلى الأبد وكان يصر على الحديث باللهجة المغربية بل كان ملحاحا في تعلمها من الصغير قبل الكبير ..هذا الرجل الذي أعلن إسلامه على يد المغفور له الملك الإنسان الراحل الحسن الثاني رحمه الله وهو من اختار له من الأسماء اسم “محمد”.. لقد تعلمت منه التواضع وبساطة العيش وتعلمت منه كيف أناقش قضايا الوطن والعالم العربي وتشاء الظروف أيضا أن أكون أول من أجرى معه حوارا بالإذاعة الوطنية من طنجة من خلال مراسلة ..
وأذكر أني شاركت الناقد الرائع أستاذي “خليل الدامون” في إعداد مواد حلقة كانت خاصة بالسفير . أما ذكريات تعرفي على الراحل “جون جونيه” فقد كانت غريبة وسأرويها لكم قريبا إن شاء الله ..
بصراحة لم تكن طفولتي ولا سن اليفع عاديين بالنسبة لي، لم أعشهما رفقة أقراني، بل بجوار هذه الأسماء داخل المكتبة ..إلى أن جاء وقت التحاقي بالإذاعة ..الأمر الذي رفضه والدي رفضا كبيرا .
