العرائش نيوز:
المؤلفة قلوبهم
سليمان الريسوني
ألَّف اعتقال الصحافي توفيق بوعشرين بين قلوب العشرات من يساريي “Touche pas à ma bière”، الذين ظلوا، لسنوات، شيعا وشراذم، يحترفون تراشق الاتهامات فيما بينهم بقتل اليسار وتشييعه إلى دار المخزن، وفسح الطريق أمام الإسلاميين، ولا يشاركون سوى في أنشطة مدعومة من الاتحاد الأوروبي أو المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو ولد زروال.. أنشطة يطغى فيها الطعام على الكلام، والتعويضات على التوصيات.
فمنذ اعتقال بوعشرين، وقبل مثوله أمام القضاء، وهؤلاء المؤلفة قلوبهم- المدفوعون والمدفوع لهم- ينهشونه بالكذب والتلفيق والمبالغة، بل إن بعضهم فوّض أمر تسيير حزبه إلى حزب الحمامة الزرقاء، وأهمل مهامه تحت قبة البرلمان جاعلا من حبة بوعشرين قبة، حيث أسس “نقابة للضحايا” ووضع برنامج اجتماعات واتصالات يومية بهن لتحريضهن، بخبث دفين، على الإمعان في “تغراق الشقف” لتوفيق بوعشرين ومطالبته بتعويضات مالية كبيرة. كما أن بعض أفراد اليسار الأزرق (الفايسبوكي) نصّب نفسه شرطيا لا يتسامح مع كل من كتب مقالا أو تدوينة تعلو على صوت شيطنة وتجريم بوعشرين.
ما الذي يحدث؟ فكلما اتضح أن المغرب في حاجة إلى يسار بديل، يواصل مسار النضال الديمقراطي على قاعدة “الملكية البرلمانية”، لإخراج البلد من عنق الزجاجة، بعدما استكمل الاتحاد الاشتراكي مع اليوسفي والعدالة والتنمية مع بنكيران، دورتهما السياسية واستنفذا –بالشكل الحالي- شرط وجودهما الديمقراطي، كلما اشرأبت في وجوهنا أعناق حفنة من المتياسرين مُظهرةً عن محدودية في الطموح وبؤس في الشعارات، بل مؤكدة بأنها حالة نفسية تُركز كامل جهدها في كره الإسلاميين وكل من دافع عن حقهم في الوجود، داخل الهامش والتمرين الديمقراطي المتاح، وفي طليعة هؤلاء توفيق بوعشرين.
وللحقيقة، فلو كان اليسار يسارا، سليما مُعافى، لما ترك مجالا لمن زجوا بجيش البؤساء، خلال مسيرة ولد زروال، أن يستغلوا اسم ورمزية ومركز محمد بنسعيد آيت يدر، لإضفاء الشرعية على قتل توفيق بوعشرين الذي قاد آخر تجربة إعلامية مغربية دافعت عن الديمقراطية، بذكاء ومهنية، بعد قتل “لوجورنال” و”دومان” وإضعاف “لكم” وتجارب أخرى. لكن، وبما أن الزمن زمن ردة، فقد أصبح كل ذي فمٍ أدرد (مهدوم) يأكل شوك وردته “المنتوفة” باسم بنسعيد الذي يعتبر أحد آخر الأبطال المغاربة الذين “ما بدلوا تبديلا”.
بقي أن نتساءل: لماذا ما زالت بعض الجهات تدعم هؤلاء “المؤلفة قلوبهم” وتصر على تحريكهم في ملفات بعينها مثل ملف الشهيد بنعيسى آيت الجيد وملف توفيق بوعشرين، في الوقت الذي اعترفت الدولة بخطئها في الانجرار للمواجهة الإديولوجية مع الإسلاميين، وفي الوقت الذي استعادت السلطة عافيتها وأغلقت منافذ الهواء الديمقراطي التي انفتحت في 2011؟ لقد كان على السلطة أن تتأسى بعمر بن الخطاب الذي أوقف “تمويل” المؤلفة قلوبهم، وقال لهم: “هو شيء كان رسول الله يعطيكموه ليتألفكم، والآن قد أعز الله الإسلام وأغنى عنكم”.
