إسبانيا مطالبة بنهج سياسة وضوح تجاه المغرب

العرائش نيوز:

إسبانيا مطالبة بنهج سياسة وضوح تجاه المغرب

د. حسين مجدوبي

اصدر مركز التفكير الاستراتيجي تقريرا حول إسبانيا في عام 2018، ومن ضمن الدول التي تناولها بالدراسة والتحليل المغرب، متكهنا باحتمال وقوع توترات بسبب ملفات شائكة مثل تلك المرتبطة بالصحراء، لكن التقرير لم يشر إلى سياسة إسبانيا غير الواضحة في مختلف الملفات، ومنها طريقة التعامل مع المغاربة، سواء في ملفات التاريخ، أو ملفات الهجرة ومنها التأشيرة.
وعادة ما يردد الكثير من المغاربة والإسبان مقولة «حسن الجوار التاريخي» و»العلاقات الممتازة» كما جرى في لقاء احتضنته الرباط منذ قرابة شهرين، من تنظيم وزارة الهجرة المغربية. وهذه المقولات إما أنها تنم عن جهل بالتاريخ المشترك، وهو تاريخ شائك ومليء بالمآسي، أو عن مكر وجبن في آن بسبب ثقافة التملق والنفاق من الجانبين. وغياب الشجاعة والوضوح في التعاطي مع العلاقات الثنائية، هو الذي يفسر انفجار الأزمات بين الحين والآخر بين الرباط ومدريد، ويصبح السياسي أو الوزير أو الصحافي الذي كان يتحدث بالأمس عن العلاقات الأخوية يصف الطرف الآخر بالعدو الأبدي.
في الوقت ذاته، العلاقات الثنائية بين البلدين قائمة على المصالح بشكل أناني، حيث تستغل إسبانيا ملف الصحراء ويتبين لنا ذلك من موقفين، الأول وهو التأييد الضمني لموقف الرباط، وأحيانا اتخاذ موقف معاكس وفق الظروف. كما تستغل عدم اهتمام المغرب بمواطنيه، وعدم دفاعه عن حقوقهم، فتطبق عليهم سياسة تشدد في الهجرة وفي ملف التأشيرات، وتختزل التعاون البشري في ما هو أمني، أي محاربة الهجرة السرية والإرهاب، حيث أصبحت كل تصريحات المسؤولين الإسبان حول هذين الموضوعين فقط، وبدون وعي ينساق المسؤولون المغاربة في هذا الاتجاه، حيث يحرصون على الحصول على الإشادة من طرف إسبانيا وكأنها شهادة حسن السلوك.
في هذا الصدد، تحولت إسبانيا خلال السنوات الثلاث الأخيرة إلى الشريك التجاري الأول للمغرب، مزيحة فرنسا عن الصدارة، ولكن هذا لم يجعلها ترفع من استثماراتها في المغرب، بل إنها انعدمت تقريبا. لكن ما يقلق في الموقف الإسباني هو غياب الاهتمام بالعنصر البشري في العلاقات الثنائية بين البلدين.
وسيمفونية العلاقات التاريخية والأخوية تبقى بدون معنى أمام السياسة التي تنهجها إسبانيا تجاه المغاربة، سواء المقيمين أو الراغبين في الحصول على تأشيرة. وتبرز الأرقام أن سياسة تشدد الإدارة مع المهاجرين المغاربة أصبح مخيفا للغاية، حيث تبقى معدلات الطرد في صفوفهم مضاعفة، مقارنة مع باقي الجنسيات الأخرى. ويمكن للدولة الإسبانية إجراء استطلاع وسط المهاجرين المغاربة لتكتشف ما يعانونه منه. ورغم محدودية التبادل التجاري بين إسبانيا ومعظم دول أمريكا اللاتينية، فهي تدافع عن هذه الدول أمام الاتحاد الأوروبي، لإعفاء مواطنيها من التأشيرة، وهو ما حصل مع دول مثل كولومبيا والإكوادور. وفي المقابل، تتشدد قنصليات إسبانيا المعتمدة في المغرب مع المغاربة، خاصة قنصليات مدن شمال البلاد، خاصة مدينتي تطوان والناضور بشأن طلب التأشيرات. وتشاء الأقدار أن كلا من تطوان ومنطقة الناضور إلى جانب الحسيمة هي التي عانت من ويلات الاستعمار الإسباني، ومنها استعمال الغازات القاتلة ضد ثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي. وفي معظم الحالات يقف المرء مندهشا أمام التبريرات التي تقدمها قنصليات الدولة الإسبانية لرفضها إعطاء التأشيرة للمغاربة، وهي تنم في العمق عن تعامل احتقاري مع مواطني هذا البلد المغاربي وشبيهة بسياسة الإذلال التي مارستها إسبانيا القروسطوية على الموريسكيين.
وفي نقطة أخرى ذات صلة، منطقيا يجب أن تكون جامعات إسبانيا إلى جانب فرنسا هي وجهة معظم طلبة المغرب خاصة طلبة شمال المغرب. ولا يمكن المقارنة مع فرنسا، فهذه الأخيرة متفوقة على إسبانيا بسنوات ضوئية، بل المؤسف هو تفوق دولة بعيدة عن المغرب مثل أوكرانيا على اسبانيا في استقبال الطلبة المغاربة. والمفارقة الصارخة هو عدم توفر أوكرانيا على أي معهد ثقافي في المغرب، بينما تتوفر اسبانيا على خمسة أو ستة مراكز ثقافية «سيرفانتيس». ولجوء الطلبة إلى أوكرانيا ودول أخرى لا يعني، كما يعتقد الكثيرون، تقدم التعليم الإسباني على الأوكراني (الكثير من الجامعات الأوكرانية متقدمة في الترتيب العالمي على بعض الجامعات الإسبانية) بل بسبب سياسة التشدد اللامنطقية التي تطبقها إسبانيا على الطلبة المغاربة. هذه السياسة المتشدد التي تطبقها إسبانيا على المغرب، خاصة في مدنه الشمالية تحمل انعكاسات خطيرة للغاية، فهي تحد بشكل أو آخر من تطور هذه المنطقة، فبينما يستطيع رجال الأعمال التنقل بكل حرية نحو المغرب، لتوقيع اتفاقيات وصفقات، يضطر رجل الأعمال في المغرب إلى انتظار التأشيرة التي قد تأتي أو لا تأتي، وهو ما يفسر لماذا الميزان التجاري يميل لصالح إسبانيا. وبينما ينتقل الطالب الإسباني لإنجاز بحث حول موضوع يتعلق بالمغرب أو العلاقات الثنائية، يبقى من باب المستحيل حصول الطالب المغربي على تأشيرة لإنجاز بحث، ولهذا تحولت التأشيرة الى سلاح تستعمله اسبانيا للتحكم ولو بطريقة نسبية في تنمية مدن الشمال.
نعم، المسؤولية الكبيرة والرئيسية عن تخلف المغرب والمآسي التي يعاني منها الشعب المغربي تتحملها الدولة المغربية، بسبب الفساد وبسبب نهج سياسة لا تعتمد الكفاءة، وبسبب اختيارات غير شعبية، ولكن هناك عوامل أخرى تعرقل هذه التنمية ولو بشكل محدود للغاية، مثل سياسة الدول الغربية في التأشيرات ومنها سياسة التشدد التي تنهجها إسبانيا في حالة المغرب.
في غضون ذلك، طالما لا تتخلى إسبانيا عن سياسة الحذر تجاه الجار الجنوبي وتعمل على تصحيح الكثير من الأحكام المسبقة والجاهزة، وتتبنى سياسة الوضوح، سيكون من الصعب الحديث عن علاقات حسن جوار حقيقية، بل فقط عن سيادة سياسة النفاق التي لا تصمد أمام انفجار الأزمات الثنائية.

الجانبين. وغياب الشجاعة والوضوح في التعاطي مع العلاقات الثنائية، هو الذي يفسر انفجار الأزمات بين الحين والآخر بين الرباط ومدريد، ويصبح السياسي أو الوزير أو الصحافي الذي كان يتحدث بالأمس عن العلاقات الأخوية يصف الطرف الآخر بالعدو الأبدي.
في الوقت ذاته، العلاقات الثنائية بين البلدين قائمة على المصالح بشكل أناني، حيث تستغل إسبانيا ملف الصحراء ويتبين لنا ذلك من موقفين، الأول وهو التأييد الضمني لموقف الرباط، وأحيانا اتخاذ موقف معاكس وفق الظروف. كما تستغل عدم اهتمام المغرب بمواطنيه، وعدم دفاعه عن حقوقهم، فتطبق عليهم سياسة تشدد في الهجرة وفي ملف التأشيرات، وتختزل التعاون البشري في ما هو أمني، أي محاربة الهجرة السرية والإرهاب، حيث أصبحت كل تصريحات المسؤولين الإسبان حول هذين الموضوعين فقط، وبدون وعي ينساق المسؤولون المغاربة في هذا الاتجاه، حيث يحرصون على الحصول على الإشادة من طرف إسبانيا وكأنها شهادة حسن السلوك.
في هذا الصدد، تحولت إسبانيا خلال السنوات الثلاث الأخيرة إلى الشريك التجاري الأول للمغرب، مزيحة فرنسا عن الصدارة، ولكن هذا لم يجعلها ترفع من استثماراتها في المغرب، بل إنها انعدمت تقريبا. لكن ما يقلق في الموقف الإسباني هو غياب الاهتمام بالعنصر البشري في العلاقات الثنائية بين البلدين.
وسيمفونية العلاقات التاريخية والأخوية تبقى بدون معنى أمام السياسة التي تنهجها إسبانيا تجاه المغاربة، سواء المقيمين أو الراغبين في الحصول على تأشيرة. وتبرز الأرقام أن سياسة تشدد الإدارة مع المهاجرين المغاربة أصبح مخيفا للغاية، حيث تبقى معدلات الطرد في صفوفهم مضاعفة، مقارنة مع باقي الجنسيات الأخرى. ويمكن للدولة الإسبانية إجراء استطلاع وسط المهاجرين المغاربة لتكتشف ما يعانونه منه. ورغم محدودية التبادل التجاري بين إسبانيا ومعظم دول أمريكا اللاتينية، فهي تدافع عن هذه الدول أمام الاتحاد الأوروبي، لإعفاء مواطنيها من التأشيرة، وهو ما حصل مع دول مثل كولومبيا والإكوادور. وفي المقابل، تتشدد قنصليات إسبانيا المعتمدة في المغرب مع المغاربة، خاصة قنصليات مدن شمال البلاد، خاصة مدينتي تطوان والناضور بشأن طلب التأشيرات. وتشاء الأقدار أن كلا من تطوان ومنطقة الناضور إلى جانب الحسيمة هي التي عانت من ويلات الاستعمار الإسباني، ومنها استعمال الغازات القاتلة ضد ثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي. وفي معظم الحالات يقف المرء مندهشا أمام التبريرات التي تقدمها قنصليات الدولة الإسبانية لرفضها إعطاء التأشيرة للمغاربة، وهي تنم في العمق عن تعامل احتقاري مع مواطني هذا البلد المغاربي وشبيهة بسياسة الإذلال التي مارستها إسبانيا القروسطوية على الموريسكيين.
وفي نقطة أخرى ذات صلة، منطقيا يجب أن تكون جامعات إسبانيا إلى جانب فرنسا هي وجهة معظم طلبة المغرب خاصة طلبة شمال المغرب. ولا يمكن المقارنة مع فرنسا، فهذه الأخيرة متفوقة على إسبانيا بسنوات ضوئية، بل المؤسف هو تفوق دولة بعيدة عن المغرب مثل أوكرانيا على اسبانيا في استقبال الطلبة المغاربة. والمفارقة الصارخة هو عدم توفر أوكرانيا على أي معهد ثقافي في المغرب، بينما تتوفر اسبانيا على خمسة أو ستة مراكز ثقافية «سيرفانتيس». ولجوء الطلبة إلى أوكرانيا ودول أخرى لا يعني، كما يعتقد الكثيرون، تقدم التعليم الإسباني على الأوكراني (الكثير من الجامعات الأوكرانية متقدمة في الترتيب العالمي على بعض الجامعات الإسبانية) بل بسبب سياسة التشدد اللامنطقية التي تطبقها إسبانيا على الطلبة المغاربة. هذه السياسة المتشدد التي تطبقها إسبانيا على المغرب، خاصة في مدنه الشمالية تحمل انعكاسات خطيرة للغاية، فهي تحد بشكل أو آخر من تطور هذه المنطقة، فبينما يستطيع رجال الأعمال التنقل بكل حرية نحو المغرب، لتوقيع اتفاقيات وصفقات، يضطر رجل الأعمال في المغرب إلى انتظار التأشيرة التي قد تأتي أو لا تأتي، وهو ما يفسر لماذا الميزان التجاري يميل لصالح إسبانيا. وبينما ينتقل الطالب الإسباني لإنجاز بحث حول موضوع يتعلق بالمغرب أو العلاقات الثنائية، يبقى من باب المستحيل حصول الطالب المغربي على تأشيرة لإنجاز بحث، ولهذا تحولت التأشيرة الى سلاح تستعمله اسبانيا للتحكم ولو بطريقة نسبية في تنمية مدن الشمال.
نعم، المسؤولية الكبيرة والرئيسية عن تخلف المغرب والمآسي التي يعاني منها الشعب المغربي تتحملها الدولة المغربية، بسبب الفساد وبسبب نهج سياسة لا تعتمد الكفاءة، وبسبب اختيارات غير شعبية، ولكن هناك عوامل أخرى تعرقل هذه التنمية ولو بشكل محدود للغاية، مثل سياسة الدول الغربية في التأشيرات ومنها سياسة التشدد التي تنهجها إسبانيا في حالة المغرب.
في غضون ذلك، طالما لا تتخلى إسبانيا عن سياسة الحذر تجاه الجار الجنوبي وتعمل على تصحيح الكثير من الأحكام المسبقة والجاهزة، وتتبنى سياسة الوضوح، سيكون من الصعب الحديث عن علاقات حسن جوار حقيقية، بل فقط عن سيادة سياسة النفاق التي لا تصمد أمام انفجار الأزمات الثنائية.


شاهد أيضا
تعليقات
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.